تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
كلماته بحر من بحار الحكمة ، ولو تأمله العالم حق تأمله لم ينقطع فيه نظره طول عمره . فهذا هو طريق التفكر . وينبغي أن يكون المبتدئ مستغرق الوقت في هذه الأفكار حتى يصل إلى المقامات الشريفة . وهذا التفكر مع أنه أفضل من سائر العبادات فليس هو غاية المطلب ، بل هو محبوب عن مطلب الصديقين : وهو التفكر في جلال اللّه وجماله ، واستغراقه فيه بحيث يفنى عن نفسه ، والفناء في الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين . والذي ذكرناه هو عمارة الباطن وهو وسيلة إلى الفناء . ويروى أن الحسين بن منصور لقي الخواص وهو يدور في البوادي ، فقال : فيما أنت فقال : أصحح حالي في التوكل ، فقال : أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد . وبالجملة : تعمير الظاهر بالعبادات لا يثمر الا الجنة دون المجالسة ، وتعمير الباطن بالصفات المنجيات يثمر الاستعداد للقاء . وأصل السعادة هو الفناء لأنه يثمر اللقاء . واعلم : أن كل مريد ينبغي أن يكتب الصفات المهلكات والمنجيات في جريدة ، فمهما كفى واحدة من المهلكات خط عليها ويدع التفكر فيها ، ويشكر اللّه تعالى على كفايته إياها وتنزيه قلبه منها ، وهكذا حتى يفعل على الجميع . وكذا يفعل بالمنجيات والمهلكات والمنجيات وان كانت لا تقبل الاحصاء الا أنه يكفي من كل منهما عشرة ، وهي الأصول وهي التي ذكرناها في هذا الكتاب فتدبر فيها . وهكذا حال المعاصي والطاعات الظاهرة ، الا أن كل صنف من الناس مبتلون بنوع من المعاصي فيكفي في حقهم التفكر في ذلك النوع . القسم الثاني : الفكر في جلال اللّه وعظمته وكبريائه . وفيه مقامان : الأول : الفكر في ذاته وصفاته ، فان أكثر العقول لا تحتمله ، بل القدر الممكن من معرفته أنه تعالى مقدس عن الزمان والمكان ، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه ، قد حير عقول أقوام حتى