أنكروه ، وذلك لأن العقول تتحير فيه ، فلا يطيق مد البصر اليه الا الصديقون ، ثم أنهم لا يطيقون نور الشمس أصلا . وعقول الصديقين كأبصار الانسان حتى يطيقون النظر ولا يطيقون دوامه ، ولذلك قيل : تفكروا في خلق اللّه ولا تفكروا في ذاته .
المقام الثاني : وهو النظر إلى أفعاله وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه ، انها تدل على جلاله وكبريائه وتقدسه وتعاليه ، وعلى كمال علمه وحكمته ، وعلى نفاذ مشيئته وقدرته فننظر إلى صفاته من آثار صفاته ، فالنظر إليها في مصنوعاته كالنظر إلى الشمس في الطست ، فالأفعال واسطة في مشاهدة الفاعل ، فهذا سر قوله صلى اللّه عليه وسلم : « تفكروا في خلق اللّه ولا تفكروا في ذات اللّه » .
فالتفكر في خلق اللّه : أما فيما لا نعرف أصلها فلا يمكن أصلا ، قال تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
« 1 » .
وأما فيما نعرف أصلها وجملتها ولا نعرف تفصيلها : فيمكننا أن نفكر في تفصيلها .
ثم هو إما غير مدرك بالبصر ؛ كالملائكة والجن والشياطين ، فمجال الفكر فيه مما يغمض ، فلنعدل إلى الأقرب إلى الافهام ؛ وهي المدركات بالبصر :
كالسماوات السبع والأرضين وما بينهما ، وكذا الموجودات في السماوات والموجودات على الأرض .
ولكل هذه الأجناس أنواع ، ولكل نوع منها أقسام ، وللأقسام أصناف ، ولكل منها صفات وهيئات ومعان ظاهرة وباطنة . وجميع ذلك مجال للفكر ، فلا تتحرك ذرة في السماوات والأرض الا وفي حركتها حكمة أو حكمتان أو عشر أو ألف حكمة ، كل ذلك شاهد للّه تعالى بالوحدانية دال على جلاله وكبريائه .
هامش
( 1 ) سورة يس ، آية : 36 .