تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
المعاصي ، ان قلت : ان اللّه لا يراك فما أعظم كفرك ، وان قلت أنه يراك فما أشد وقاحتك ، وان اغتررت بمكره وفضله فما لك لا تغترين بهما في أمر الدنيا وان رب الدنيا والآخرة واحد ، وان ليس للانسان الا ما سعى ، ولا تظنين انك إذا مت انفلت وتخلصت ، هيهات هيهات ، كيف تكذبين أنبياء اللّه ، فان صدقتهم فما بالك تسوفين العمل والموت لك بالمرصاد ، فبما ذا أمنت استعجال الأجل ، وما الباعث لك على التسويف فتنظرين يوما لا يعسر فيه مخالفة الشهوات ، فهذا من أقبح الجهالات إذ الجنة حفت بالمكاره ، والنار بالشهوات ، مع أن شجرة الشهوة تقوى وترسخ مهما طال الزمان ، سيما والقوة مهما تأخرت تكون في النقصان ، إذ رياضة الهرم من العناء ، والقضيب إذا غلظ لا يقبل الانحناء ، وان لم تصبري عن مقارفة الشهوات فتأملي أن ألم الصبر عنها أعظم أم ألم الصبر على النار . فإذا عرفت هذا ، فلعلك لا تتوانين عن النظر لنفسك الا لضعف يقينك بيوم الحساب ، وهو الكفر الخفي ، واعتمادك على كرم اللّه تعالى وعفوه من غير التفاتك إلى استدراجه ومكره واستغنائه عن عبادتك ، وهذا هو الحمق الجلي ، وانما كرم اللّه تعالى في تعريف أسباب الخلاص لا في أن يدفع عنك العقاب بدون التحصن بحصنه أعني التوحيد والطاعات . ويحك ! فأحسبي انك غافلة عن عذاب اللّه وثوابه ، أما تعلمين انك تفارقين الدنيا بالموت فلا يبقى لك الا حسرة مفارقتها ، تعمرها وأنت ترتحلين عنها ، وتخربين آخرتك وأنت تصيرين إليها ، ولعلك أسكرك حب الجاه وحاصله ميل قلوب الناس إليك ، فأحسبي ان كل من على وجه الأرض سجدوا لك وأطاعوك ، فما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود ، فأف لدنيا ربما يفضلك فيها المحبوس واليهود ، فيا حسرة عليك ، ان الموتى يتمنون الرجعة إلى الدنيا ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم ، وأنت في أمنيتهم غافل عنها ذاهل . أفتظنين أنهم دعوا إلى الآخرة وأنت من الخالدين ، هيهات هيهات ، ساء ما تظنين ، ما أنت الا في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك ، أما تخافين إذا بلغت النفس منك على التراق ، وتبشري بالعذاب ، فهل ينفعك حينئذ الندم ،