تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 543

مساهمون:

ص٥٤٣
ثم أن العقل بعد ما شرط للنفس هذه الأمور ، ينبغي أن يراقبها عند العمل . ولا يخفى أن المراقبة من مبادئ مرتبة الاحسان ففضلها ظاهر . وأما حقيقتها : فهي مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به والتفاته اليه ، ولا يتم هذا الا بمعرفة ، وهي أن اللّه تعالى مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
« 1 » . وإذا استولت على القلب هذه المعرفة لا جرم امالت القلب إلى جانب ملاحظة الرقيب ، والموقنون بهذه المعرفة هم المقربون المنقسمون إلى الصديقين وإلى صاحب اليمين . وأما مراقبة الصديقين : فهو مراقبة التعظيم والاجلال ، بأن يستغرق قلبه في ملاحظة ذي الجلال ، ويصير منكسرا تحت الهيبة فلا يبقى معه متسع للغير أصلا ، وتبقى جوارحه متطلعة عن التلفت إلى المناجاة فضلا عن الحظورات ، فلا يحتاج إلى مدبر في حفظها على سنن السداد . وهذا هو الذي صار همه هما واحدا ، فكفاه اللّه سائر الهموم . ومثل هذا يغفل من الخلق كلهم ، حتى لا يبصر من عنده وعينه ناظرة اليه ، ولا يسمع الكلام وليس به صمم ، وقد يمر على ابنه فلا يكلمه . وقال بعضهم لمن عاتبه على عدم الالتفات : إذا مررت فحركني . ومثل هذا لا يحتاج إلى مراقبة لسانه وجوارحه إذ لا يتحرك الا بما هو فيه . وأما مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب مطالعة جمال اللّه على قلوبهم وبواطنهم وظواهرهم ، ولكن لم يدهشهم ذلك بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال ، متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال ، وهم يجمعون بين ممارسة الأعمال والمراقبة بغلبة الحياء من اللّه تعالى ، فيتثبت فيه ، ويفر من الفضاحة في القيامة ، فينظر قبل العمل انه للّه تعالى فيمضيه ، أو لغير اللّه فيستحي من اللّه فكيف عنه ، ثم يلوم نفسه على رغبتها فيه وهمها به وميلها اليه ، وعرفها سوء
هامش
( 1 ) سورة الفجر ، آية : 14 .