تداركه في المستقبل . ثم أن رأس مالك السالك في دينه الفرائض ، وربحه النوافل ، وخسرانه المعاصي ، وموسم التجارة جملة النهار . فليطالب نفسه الامارة بالسوء ، فليحاسبها على الفرائض : ان أداها على وجهها شكر اللّه عليه ورغبها في مثلها ، وان فوتها من أصلها طالبها بالقضاء ، وان أداها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل ، وان ارتكب معصية اشتغل بعقابها وتعذيبها ومعاتبتها ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرط .
ثم إنه يحاسبها عن نظره ، بل عن خواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه ، حتى عن سكوته لم سكت ، وعن سكونه لم سكن . ثم أنه بعد محاسبتها ينبغي أن لا يهمل تقصيرها والا عسر فطامها بعد ذلك ، وكان ذلك سبب هلاكها ، بل ينبغي أن يعاقبها على ذلك ، مثلا : إذا أكل لقمة بشبهة يعاقبها بالجوع ، وإذا نظر إلى غير محرم يعاقب العين بمنع النظر ، وهكذا . وإذا كنت عاقبت أهلك وعبدك وأمتك وولدك على تقصيرهم في أمر يؤدي إلى ضرر في الدنيا ، فلأي شيء لا تعاقب جوارحك وهي أخص بك مما ذكر مع أن ضررها في الآخرة .
ثم إذا أتممت أمر المحاسبة فعليك بالمجاهدة ، بأن تعاقبها بالعقوبات ، مثلا :
ان رآها تتنادى في ورد من أورادها يعاقبها بتثقيل الأوراد عليها ، ويلزمها فنونا من الوظائف جبرا لما فات ، وتداركا لما فرط . ولعمري ما أعظم حسرة من لا يمنع نفسه أياما قلائل عن شهوات مكدرة ، ثم يأتيه الموت ويحال بينه وبين ما يشتهيه أبد الآباد . نعوذ باللّه من ذلك .
ثم اعلم : أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، وقد خلقت أمارة بالسوء ، وأمرت بمنعها عن شهواتها ، وفطامها عن لذاتها ، فان أهملتها شردت وجمحت ، وان عاتبتها كانت نفسك هي النفس اللوامة ورجوت أن تصير مطمئنة . فلا تغفل عن وعظها ساعة ، وقل لها : أنت تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أحمق وأجهل ، أما تعرفين الجنة والنار وانك صائرة إلى إحداهما ، فمالك تشتغلين باللهو . أما تعلم أن كل آت قريب ؛ وأيضا : انه يأتي بغتة ، ولا أقل من أن المرض يأتي بغتة ، فعند ذلك لا ينفعك الندم ؛ وأيضا : ما أجرأك على
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 545
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٥٤٥