الا بالقدرة ، وهي تنتظر الداعية الباعثة ، وهي تنتظر العلم والمعرفة أو الظن والاعتقاد . فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة ، وهي إرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض إما في الحال أو في المآل .
ثم أن انتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد ، وقد يكون بباعثين : اما بالاجتماع في التأثير أو تأكيد التأثير فهاهنا أقسام أربعة :
الأول : أن ينفرد الباعث الواحد ؛ كهجوم السبع في الهرب ، فلا نية له غيره . وهذه تسمى خالصة ، والعمل بموجبها اخلاصا . -
الثاني : أن يجتمع باعثان كل منهما كاف بالانتهاض لو انفرد ؛ كأن يتصدق لقريبه الفقير لفقره وقرابته ، ويسمى هذا مرافقة البواعث .
الثالث : أن يقوى مجموعهما على الانتهاض دون كل واحد منهما ؛ كالتصدق عند الناس لغرض الثواب والثناء معا ، حتى لو كان الطالب فاسقا لكان لا يعطيه ، أو كان صالحا وطلبه في الخلوة لا يعطيه أيضا . ويسمى هذا الجنس مشاركة .
الرابع : أن يستقل أحدهما لو انفرد والآخر لا يستقل ، ولكن لما انضاف اليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة والتسهيل ؛ مثل : أن يتصدق عند الناس ، ولكن علم أنه لو كان خاليا لم يفتر عن عمله ، ولكن صار الفعل أخف عليه بسبب مشاهدتهم . ويسمى هذا الجنس المعاونة .
واعلم : أن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نية المرء خير من عمله » قيل :
معناه أن النية سر ولعمل السر فضل . وهذا صحيح ، الا أنه ليس بمراد ، إذ يقتضي عموم الحديث أن يكون نية ذكر اللّه خيرا من ذكره بقلبه . قيل : أن النية تدوم إلى آخر العمر دون العمل ، وهو ضعيف : إذ معناه أن العمل الكثير خير من القليل ، مع أن النية لم تكن الا في لحظات فلا يكون خيرا ، وقد دل عموم الحديث على خيريته . وقد يقال : ان جهة النية فقط خير من جهة العمل فقط ، وهو كذلك ، لكنه بعيد أن يكون مرادا ، إذ العمل بلا نية لا خير فيه أصلا ، مع أن المفهوم من الحديث اشتراكهما في أصل الخيرية . والحق : أن
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 535
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٥٣٥