وأما حقيقته : فان الرضا مما يثمر المحبة ، وذلك لوجهين : اما أن لا يحس الألم ولا يدركه لاستغراقه بمشاهدة محبوبه ، واما أن يحس به ويدرك الألم ولكن يرضى به بل يرغب فيه ، مريدا بعقله وان كان كارها بطبعه ؛ كمن يجد ألم الفصد ويرضى به بل يشكر الفصاد . وقد يكون ذلك لطلب الأجر والثواب ، وقد يكون لكونه رضا حبيبه مطلوبا ومرادا عنده .
وأما الفسق والفجور والمعاصي ، فلها وجهان : وجه إلى اللّه تعالى من حيث أن فعله واختياره وارادته ، فيرضى به من هذا الوجه تسليما للملك إلى ملكه ورضا بما يفعله ؛ ووجه إلى العبد من حيث إنه كسبه ووصفه ، وعلامة كونه ممقوتا عند اللّه تعالى فهو من هذا الوجه منكر ومذموم . فالسكوت عنه وتسميته حسن خلق جهل محض .
ولا يخفى أن الرضا والكراهة ضدان لا يجتمعان من جهة واحدة ولكن من جهتين فجائز ، وبهذا يتقرر كيفية الجمع بين الرضا بالقضاء وبين البغض في اللّه والحب في اللّه والتشديد والتغليظ على الكفار والمبالغة في مقتهم .
وبالجملة : الخير والشر كلاهما من اللّه ، ومن قال : الشر ليس منه فهو جاهل ، وكذا ما قال : ان كلاهما منه بوجه واحد ؛ بل الشر مراد مكروه والخير مراد مرضى . ووراء هذا سر القدر الذي منع عن افشائه .
وأما الدعاء للبلاء مع وجوب الرضا بالقضاء ، فلأن الدعاء يستخرج منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع ، ويكون ذلك جلاء للقلب ومفتاحا للكشف وسببا لتواتر مزايا اللطف ، فيكون الدعاء من قبيل مباشرة الأسباب . ولا يخفى أن الرضا من باب التوكل ، وقد عرفت أن لا منافاة بين مباشرة الأسباب والتوكل .
وأما الفرار من بلاد تكثر فيها المعاصي فلا يخالف الرضا ، وليس ذلك فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه . وأما نهى الفرار عن بلد الطاعون ، فذلك ليس لحرمة الخروج بل لئلا يهمل أمر المرضى فيهلكون هزلا وضرا . وقد عرفت تفصيل ذلك .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 533
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٥٣٣