ثم أن من انبعث لقصد القربة ولكن امتزج بخاطر آخر من حظوظ النفس ؛ كمن صام للقربة وقصد معه الحمية ، أو حج للقربة مع قصد صحة المزاج بحركة السفر ، أو تعلم العلم للّه مع قصد العز بين العشيرة ، أو كتب مصحفا للقربة وقصد أن يجود خطه بالمواظبة ، ونحو ذلك من أمثال هذه الخطرات التي يخف معها العمل فقد خرج بهذه عن الإخلاص وتطرق اليه الشرك . ولما كان الانسان قلما ينفك عن أمثال هذه الحظوظ قيل : من سلم له في عمره لحظة واحدة خالصة لوجه اللّه تعالى نجا .
ثم أن هذه البواعث : إما أن تكون مثل القربة أو أقوى منه أو أضعف .
والاخلاص تجرد النية عن هذه البواعث كلها حتى يتجرد فيه قصد القربة عن باعث غيره ، وهذا لا يتصور الا من محب للّه تعالى ، فلا يكون له هم الا اللّه .
ومن لم يكن كذلك فباب الاخلاص كالمسدود عليه الا على الندور . فعلاج ذلك : كسر حظوظ النفس والتجرد للآخرة وغلب ذلك على القلب .
ثم إن الانسان ربما يتعب في الأعمال ويظنها خالصة وليس كذلك . فهاهنا موضع غرور قلما يسلم منه أحد وقلما يتنبه له سيما العلماء ، إذ الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والاستبشار بالحمد والثناء ، وهو يظن أنه غرضه نشر دين اللّه والنضال عن شرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكذا الحال في الوعظ .
وربما يظن العالم أن نشره للعلم لوجه اللّه ، حتى يظن من نفسه أنه لو قام أحد مقامه فيه لفرح به ولم يغتم . الا أنه غرور باطل إذ لا عبرة بوعد النفس قبل نزول الأمر . فمعرفة حقيقة الاخلاص والعمل به بحر عميق يغرق فيه الأكثرون الا الشاذ النادر والفرد الفذ .
والكلام في تفسير الاخلاص كثير . الا أن البيان الشافي ما وقع عن سيد الأولين والآخرين صلى اللّه عليه وسلم ، إذ سئل عن الإخلاص فقال : « أن تقول ربي اللّه ثم تستقيم كما أمرت » . أي : لا تعبد هواك ونفسك ، ولا تعبد الا ربك ، وتستقيم في عبادتك كما أمرت . وهذه إشارة إلى قطع كل ما سوى اللّه
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 538
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٥٣٨