المطلب السادس في الأنس والرضا والشوق
واعلم : أن هذه الأمور كلها من ثمرات المحبة ، الا أن المحب إذا تطلع إلى منتهى الجمال من وراء حجاب الغيب ، واستشعر قصوره عن الاطلاع على كنه الجلال ، انزعج قلبه للطلب وهاج اليه ، فسمى هذه الحالة في الانزعاج شوقا ، وهو بالإضافة إلى أمر غائب .
وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف ، وغير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد ، استبشر القلب بما يلاحظه فيسمى استبشاره انسا . وان كان نظره إلى صفات العجز والاستغناء وعدم المبالاة ، وخطر امكان الزوال والعبد تألم قلبه بهذا الاستشعار فيسمى تألمه خوفا .
وأما علامة الأنس : فضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم ، واستهتاره بعذوبة الذكر ، حتى أنه ان خالط الخلق يكون كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة ، وغريب في حضر وحاضر في سفر ، وشاهد في غيبة وغائب في حضور ، مخالط بالبدن منفرد بالقلب .
وبعض المتكلمين أنكروا الأنس والحب والشوق وظنوا أن هذه تشبيه ، وذلك لجهلهم ان جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات ، وانكار ذلك من القصور . وأنكر بعضهم مقام الرضا وقال : ليس الا الصبر ، وهذا أيضا كلام قاصر يقتصر من المقامات على القشور ، وهؤلاء معذورون الا أن عذرهم غير مقبول .
واعلم : ان الأنس إذا دام غلب واستحكم ، ولم يشوشه قلق الشوق ، ولم ينغصه خوف التغير والحجاب ، فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال مع اللّه تعالى . وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة ، ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس .
ومن لم يقم فيه وتشبه به في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر .