عسيرا فيتعسر ادراكه ؛ كأحوال الزمان مثلا ، فان حقيقة الزمان لكون وجوده أخفى بسبب كونه عرضا وغير قار يعسر ادراكه ، وكذا من كان وجوده أظهر وأشد وأقوى لا يمكن تمييزه عن غيره ولا إحاطة المدرك به ، فيتعذر ادراكه ؛ كالنور مثلا ، فإنه لظهوره عند الحس يعسر ادراكه ، حتى لو لم يعقب ضده أعني الظلمة لم يمكن تمييزه أصلا .
فحينئذ حقيقة الواجب تعالى لما كان في العقل بمنزلة النور بالقياس إلى البصر ، ولم يمكن له ضد يتبين بسببه ، لم يمكن للعقل تمييزه عن غيره . وأيضا :
لقوته واحاطته بالكل تعذر للعقل احاطته ومعرفته ، فسبحان من احتجب باشراق نوره واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره ، وقيل :
لقد ظهرت فما تخفى على أحد * الا على اكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنت فما أظهرت محتجبا * فكيف يعرف من بالعزة استترا
فهذا هو السبب في قصور الافهام عن معرفة ذي الجلال والإكرام .
الا أن من قويت بصيرته ولم تضعف منته في حال اعتدال أمره لا يرى الا اللّه ولا يعرف غير اللّه ، ويعرف انه ليس في الوجود الا اللّه ، وأفعاله أثر من آثار قدرته ، فهي تابعة له ولا وجود لها بالحقيقة وانما الوجود للواحد الحق فقط .
فعند ذلك لا تحتاج معرفته إلى تمييزه عن غيره إذ لا غير له ، فلا يكون ناظرا الا في اللّه ولا عارفا الا باللّه ولا محبا الا للّه ، ولا ينظر إلى نفسه أيضا بل من حيث أنه عبد اللّه ، فهذا هو الذي فنى في التوحيد عن نفسه . واليه الإشارة بقول من قال : كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن .
وإذا عرفت محبة اللّه تعالى ، فاعلم : ان المحبة مستتبعة للشوق ، فلعل من أنكرها ينكره أيضا .
واعلم : أن المدرك من كل وجه لا يشتاق اليه ، وكذا ما لم يدرك أصلا ، وانما الشوق لمن أدرك من وجه ولم يدرك من وجه آخر . فاللّه تعالى وان كان مدركا للعارفين لكنه غير مدرك لهم من وجهين :
أحدهما : ان الخيال في هذا العالم لا يفتر عن التمثيل والمحاكاة لجميع