المطلب الثالث
واعلم : ان كل قوة في الانسان لم تخلق عبثا بل لأجل ادراك ما يلائمها ، وانما لذتها في الوصول إلى مدركها .
ثم إن في الانسان قوة ربانية هي العقل ، ولذتها ادراك العلوم . ولا يخفى أن اللذة العلمية أقوى من اللذة الحسية ، إذ الانسان لا يصبر عن العلم والتمدح به ولو في الشيء الحقير ؛ كالشطرنج مثلا . ولو ذكر أحدا في مقابلته لذة الأكل لربما نسب أهله إلى البهيمية وعابوه .
ثم لا يخفى أن لذة العلم بحسب شرف المعلوم ، فمعرفة اللّه تعالى ألذ من جميع المعارف ، إذ لا معلوم أشرف من ذلك .
وأيضا : هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت ، إذ محلها الأمر الرباني الذي هو باق لا يفنى . ولعمري طلاب العلوم يجدون عند انكشاف المشكلات لذة عظيمة يعرفها أهلها ، فكيف حالها إذا كان الانكشاف في جمال اللّه وجلاله ، إذ يعرض له حينئذ من الفرح ما يكاد يطير به ، حتى يتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة فرحه وسروره . وهذا مما لا يدركه الا من ذاقها ، ولعل من لم يذقها ينكر ذلك كما ينكر الصبي لذة السلطنة .
وليت شعري من لا يفهم الا حب المحسوسات كيف يؤمن بلذة النظر إلى وجه اللّه تعالى وليس له صورة ولا شكل ، مع أن الرؤية أكمل الانكشافات ، وذلك لأن المدركات المتخيلة ادراكها حال الرؤية أتم من ادراكها حال التخيل ، والدنيا بالنسبة إلى الآخرة بمنزلة الخيال . فإذا ارتفع حجاب البدن فإن لم يبق في النفس كدورات الدنيا يشاهد ربه في الحال ، وان بقي فيه كدورات لا ينفك عنها أصلا فهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبد الآباد ، نعوذ باللّه منهم . ومنهم من يبقى فيه أثر ضعيف فيعرض على النار لتزكيتها بقدر الحاجة إلى التزكية وأقلها لحظة خفيفة وأقصاها في حق المؤمنين سبعة آلاف سنة .
فإذا تطهرت النفس عن الكدورات يتجلى له الحق تجليا ، يكون تجليه بالإضافة إلى علمه كانكشاف المرئيات بالإضافة إلى المتخيلات ، وهذه