المتخيلات ، وهذه المشاهدة والتجلي تسمى رؤية ، لكن لا بصورة مخصوصة ولا بجهة ومكان فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب . ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا فرق الا من حيث زيادة الكشف والوضوح . فيظهر منه أن من لم يعرف اللّه في الدنيا كيف يراه في الآخرة .
ولما كانت المعرفة على درجات كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة ، إذ تختلف بقلتها وكثرتها وقوتها وضعفها وجنسها ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ان اللّه تعالى يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة » . وذلك لأنه لما فضل الناس في الدنيا بسر وقر في صدره فضل لا محالة بتجل انفرد به .
فإن قلت : كيف يقاس لذة النظر إلى وجه اللّه تعالى بلذة المعرفة في الدنيا وهي ضعيفة فاعلم : ان استحقار لذة المعرفة للخلو عن المعرفة ، والا فلذتها فوق سائر اللذائذ ، بل للعارفين لذائذ لم يستبدلوا بها في الدنيا الجنة ، مع أن هذه اللذة لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة .
فإن قلت : فهل محل الرؤية في الآخرة القلب أو العين ، فاعلم : ان أرباب البصائر مطمح نظرهم الرؤية بأي آلة وقعت ، وأما أهل النظر فقد اختلفوا ، والحق انها بالعين كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، ليكون لفظ الرؤية والنظر وأمثال ذلك مما ورد في الشرع مجرى على ظاهره ، إذ لا يجوز صرف الألفاظ عن الظواهر الا لضرورة .
المطلب الرابع في أسباب محبة العبد للّه تعالى
اعلم : أن أسعد الناس حالا وأكملهم لذة في الآخرة أقواهم حبا للّه تعالى . وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن إذ لا ينفك عن أصل المعرفة ، وأما قوة الحب المنتهى رتبة العشق فذلك ينفك عنه الأكثرون . وانما طريق تحصيله : قطع علائق الدنيا واخراج حب غير اللّه من القلب ، وكمال الحب في أن يحبه بكل قلبه فبقدر ما يشتغل بغير اللّه ينقص منه . ومنه : حب المال والأهل والولد