تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
والأرقاب والعقار والدواب ونحو ذلك . ومن جملة طرقه : قوة معرفة اللّه تعالى واتساعها واستيلائها على القلب ، وذلك بعد تطهير القلب من شواغل الدنيا وعلائقها ، وهي الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء . ولا يوصل هذه المعرفة الا الفكر الصافي والذكر الدائم . والواصلون إلى هذه المعرفة : أما أقوياء يعرفون اللّه أولا ثم يعرفون غيره به ، وأما ضعفاء يعرفون الأفعال أولا ثم يترقون منها إلى الفاعل . وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثر والأوسع على السالك ، وذلك يحصل بالتفكر في عجائب الآفاق والأنفس وملكوت السماوات والأرض ، إذ لا يبلغ فهمنا إلى استقصائها ، وما بلغ اليه فهمنا بالنسبة إلى ما في علم الأنبياء والأولياء كقطرة من بحر ، وكذا لا نسبة لعلومهم إلى ما استأثر اللّه تعالى بعلمه . فإذا استغرقت في هذا الفكر ازداد محبتك جدا . ثم إن تفاوت الناس في المحبة لتفاوتهم في المعرفة ، وأكثر الناس ما يعرفون اللّه تعالى الا بالصفات والأسماء . ثم إن بعضا منهم آمنوا بها ايمان تسليم وتركوا البحث وهم أقل السلامة . ومنهم من يتخيل لها معاني يتعالى عنها رب الأرباب وهم الضالون . والعارفون بحقائقها هم المقربون وحبهم حب لذاته تعالى فلا يتغير في السراء والضراء . وأما من أحبه تعالى لأنعامه واحسانه فربما يتغير حبه عند البلاء أو ينقص ، وأما من أحبه لعجائب صنعه واستدل به على عظمته وجلاله فذلك لا يتغير ، بل يزداد متى ازداد مطالعته صنع اللّه تعالى وعجائب قدرته .

وأما قصور الناس في معرفة اللّه تعالى فأمران :

أحدهما : الانهماك في الشهوات والاشتغال بأحوال نفوسنا ، إذ ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه . فمهما اشتغل بذلك غفل عن معرفة اللّه تعالى . وثانيهما : شدة ظهوره تعالى وتناهيه في وضوحه ، فيصير ظهوره سبب خفائه . وتفصيل ذلك هو : أن الإدراك وصول المدرك بالمدرك واحاطته به ، فلا بد في الوصول من غير المدرك عن غيره عنده ، فمن كان وجوده أخفى يكون تمييزه