تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها . وهذا بالحقيقة يتدرج في حب دوام الوجود أو كماله بالمال ، الا أنه سبب بعيد والمال قريب . الثالث : أن يحب الشيء لذاته لا لحظ ينال منه ، بل يكون ذاته عين حظه ؛ كحب الجمال والحسن من حيث أنه كذلك ، لا لأن ينتفع بصاحبه بقضاء الشهوات . السبب الرابع : أن الحسن والجمال غير منحصر في المحسوسات بل هو في المحسوسات أعظم وأقوى ؛ كما يقال : هذا خلق حسن وعلم حسن ، وهذه سيرة حسنة وأخلاق جميلة . ألا ترى أن الأنبياء صلوات اللّه عليهم محبوبون بالطبع عند المؤمنين ، وكذا الناس يحبون أبا حنيفة والشافعي ومالكا مع أنهم لم يروهم ، وانما حبهم لصفاتهم الباطنة من العلم والدين والتقوى . السبب الخامس : المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب ، إذ رب شخص يتأكد المحبة بينهما لا بسبب جمال أو حظ بل بمجرد تناسب الأرواح ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » . ثم أن هذه الأسباب إذا اجتمعت في شخص كان حبه أشد وأقوى وأكمل . وأيضا : يتفاوت بحسب قوة هذه الخصال وضعفها فيه . ثم إن هذه الأسباب كلها مجتمعة في حق اللّه تعالى على وجه القوة والكمال ، فلا محبة فوق محبته عز وجل . وتفصيل ذلك : ان الحب لأجل دوام الوجود وكماله وبقائه موجود في حق اللّه وباللّه وإلى اللّه ، فهو المخترع والمبقي والمكمل ، إذ العبد عدم صرف لولا ايجاده تعالى ، وهالك محض لولا ابقاؤه تعالى ، وناقص لولا تكميله تعالى . وكذا الحب للاحسان فليس الا اللّه تعالى ، فإنه الذي أنعم بخلقك وخلق مالك وخلق قدرتك وارادتك وداعيتك ، وكذا كل مال يصل إليك فإنما هو من اللّه تعالى بالذات . واليد الظاهرة وسيلة مضطرة اضطرار مجرى الماء في جريان الماء فيه ، فهو المنفرد بالجود والاحسان والطول والامتنان .