تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
لا يحرم تركها : اما لأن معرفته تختص ببعض الناس وليس مما تدركه الكافة ؛ كالخبز في دفع الجوع ، والماء في إزالة العطش ؛ أو لأن لذلك أسبابا باطنة يمكن تخلفها ولا كذلك الخبز والماء . فان قلت : الكي أيضا من الأسباب الظاهرة النفع ، قلت : ليس كذلك ، والا لعرفه في كل بلدة ، وذلك لا يعهد الا في الا تراك والأعراب ، مع أن الكي جرح مخرب للبنية محذور السراية ، مع الاستغناء عنه ، إذ ما من وجع يعالج بالكي الا وله دواء يغنى عنه بخلاف الفصد والحجامة . روى أن عمران بن الحصين كان يرى نورا ويسمع صوتا يسلم عليه الملائكة ، ولما اكتوى زال عنه ما رآه وسمعه ، ثم تاب منه وأناب إلى اللّه عز وجل ، وقال بعد ذلك : فرد تعالى على ما كنت أجده من أمر الملائكة . واعلم : ان التداوي نقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن سائر الأنبياء أيضا عليهم السلام ، وأمروا أيضا بالتداوي . وكذا نقل ترك التداوي عن الصحابة والسلف . والتوفيق بين هذه الأمور : هو أن لترك التداوي أسبابا ، ولعل من تركه انما تركه لأجلها ، ولا يلزم من ذلك أفضلية الترك ، بل الأفضل الفعل لما فعله النبي صلى اللّه عليه وسلم . وتلك الأسباب ستة : أحدها : أن المريض قد كوشف له دنو أجله وان الدواء لا ينفعه . ولعل ما قال أبو بكر رضي اللّه عنه - حين قيل له : لو دعونا لك طبيبا - : الطبيب قد نظر إلى وقال : « اني فعال لما أريد . . . » من هذا القبيل . وكذا قول أبي الدرداء ، إذ قيل في مرضه : ما تشتكي ، قال : ذنوبي ، قيل : فما تشتهي ، قال : مغفرة ربي ، قالوا : ألا ندعو لك طبيبا ، قال : الطبيب أمرضني . وثانيها : أن يشتغل المريض بحال عاقبته فلا يتفرغ قلبه للتداوي . وعليه يدل كلام أبي ذر ، وقد رمدت عيناه وقيل له : لو داويتهما ، فقال : اني عنهما مشغول ، فقيل : لو سألت اللّه أن يعافيك ، فقال : أسأله فيما هو أهم علي منهما . ثالثها : أن تكون العلة مزمنة ، والدواء موهوم النفع جاريا مجرى الكي