لأن ذلك خرق العادة ، ولكل مقام رجال ، وان طن ذلك المقام أحد فليجرب بأن الكلب الذي في بدنه ، أعني : القوة الغضبية ، هل تطاوعه أم لا ، فان سخر ذلك ترتقي منه إلى أن يسخر لك كلب دارك ، ثم ترتقي إلى تسخير كلب البوادي .
وأيضا : لا تظن أن أخذ السلاح وغلق الباب ينافي التوكل ، إذا أخذ السلاح وعرف الدفع من اللّه تعالى ، وأغلق الباب وعرف الحفظ من اللّه عز وجل ، إذ كم من صاحب سلاح يقتل ، وكم من باب مغلق يفتح وينهب ما في داخله . ثم بعد ذلك يكون راضيا بما يقضي اللّه في نفسه من القتل والجرح ، وفي بيته من السرقة والغصب ، فلا يكون تحصنه وتحفظه الا للجري على سنة اللّه تعالى في ترتيب الأسباب مع الثقة بمسبب الأسباب .
ولا تتوهم ان ليس للمتوكل مال ، إذ هو لا يستغنى عن ضروريات الانسان من القصعة والكوز والعصا ، وقد يجد مالا ويحفظه ليدفع إلى المحتاج .
ولا تتوهم ان الضروريات يجب أن يتألم بفقدها فكيف يمكن عدم التألم ، لأن الأسباب لتيسير خدمة الحق تعالى وانما يمسكه طلبا لرضاه . وإذا فقد ينبغي أن يقول : الخير لو لم يكن في فقده لما سلط اللّه عليه اللص ، فلي عوض ثواب من ذلك . فينبغي أن يفرح بفقدها فضلا عن التألم ، إذ الخير ما اختاره اللّه ، ولا يدري الانسان الخير لنفسه في أي شيء حاصل ، إذ كم من غنى يبتلى بماله بلاء يكون سببا لهلاكه حتى يقول : يا ليتني كنت فقيرا . وذلك يقع كثيرا .
المطلب الخامس في آداب المتوكلين
أما في متاع بيته فإنه يغلق الباب ولا يستقصى ؛ مثل : أن يوصي جاره بالحفظ ، وان يجمع اغلاقا كثيرة . وكان مالك بن دينار يشد بابه بشريط ويقول : لولا الكلاب ما شددته . وأن لا يترك في بيته متاعا يحرص عليه السراق فيكون سبب معصيتهم ، كذا قال مالك بن دينار . وقال أبو سليمان :
هذا من ضعف قلوب الصوفية ، هو قد زهد في الدنيا فما عليه من أخذها .