تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
على درجات فلا يتصور التقدير فوق هذا في أمثال هذه المراتب ، فالأفضل أن لا يدخر أصلا . ثم كل ما قل ادخاره كان فضله أكثر ، ولكن هذا في حق من لا ينزع قلبه بترك الادخار ، بل لا يلتفت قلبه الا إلى الوكيل الحق والا فالادخار له أولى ، لأن المقصود تجرد القلوب بذكر اللّه ، ورب شخص شغله وجود الدنيا ، ورب شخص شغله عدمها . ولذلك لم يمنع النبي صلى اللّه عليه وسلم التجار عن تجارتهم بل دعا الكل إلى اللّه فقط . هذا حكم المنفرد . وأما المعيل : فله ادخار قوت سنة لعياله جبرا لضعفهم وتسكينا لقلوبهم ، وما فوق ذلك مبطل للتوكل ، لأن الأسباب تتكرر عند تكرر السنين ، فادخار ما يزيد عليه سببه ضعف القلب ، والمتوكل عبارة عن موحد قوى القلب ، مطمئن النفس إلى فضل اللّه ، واثق بتدبيره ، دون وجود الأسباب الظاهرة . وقد أدخر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعياله قوت سنة ليبين ذلك لضعفاء أمته . وكيف لا وقد نهى بلالا عن الادّخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها ، فقال : « أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش اقلالا » . وذلك لأنه صلى اللّه عليه وسلم أخبر أن اللّه تعالى يحب أن يؤتى رخصه كما يحب أن يؤتى عزائمه ، تطيبا لقلوب الضعفاء لئلا يتركوا الميسور عليهم لعجزهم عن منتهى الدرجات . ثم أن الناس يختلف حالهم : فمن واحد يليق بحاله الرخصة ، ومن آخر يتضرر بالرخصة . وبالجملة : الغرض فراغ القلب عما سوى اللّه تعالى سواء أمكن ذلك بالعزيمة أو بالرخصة . واعلم : ان الأسباب الدافعة للضرر تجب المباشرة بها ان كانت مقطوعا بها ، والاحتراز عنها ان كانت موهوبة ، والمظنونة ربما تكون في حكم المقطوع بها بالتجارب ، وان لم تكن كذلك فالاحتراز عنها أيضا أفضل ؛ مثلا : الصبر على أذى السباع والحيات ليس من التوكل إذ لا فائدة فيه . فعليك الاحتراز عن أمثالها ، ولا تغتر بمن وضع يده على الأسد ولم يضر به