تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
وإن وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه » . ثم أن نهى الدخول في بلد الطاعون فسببه ظاهر وهو القاء النفس في التهلكة ، مع أسباب مظنون بها . وأما نهي الخروج للخلاص فلعله لكونه سببا وهميا ، إذ ربما يستحكم ضرر استنشاق الهواء المتعفن في بدنه قبل ذلك ، يكون الخروج إلى الهواء الصحيح علاجا وهميا يسبق تأثير الهواء العفن في البدن ، سيما وقد انضم إلى ذلك أمور يكره معها الخروج وهي : خروج الأصحاء ، وفقد المتعهدين للمرضى ممن يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام . ويظهر من ذلك أنه لو دخل موضع الطاعون لتعهد المسلمين لا يأثم لأن الضرر في حق نفسه موهوم ، ورجاء دفع الضرر عن بقية المسلمين أمر محقق . وتسمية الفرار من الطاعون في بعض الأخبار بالفرار من الزحف لما فيه كسر لقلوب بقية المسلمين وسعي في اهلاكهم . وغلط الزهاد والعباد في ظواهر الأخبار والآثار كثير . وانما شرف العلم وفضيلته لأجل ذلك ، حيث يحملها على محامل لطيفة دقيقة ، ويستخرج في كل منها سبب النهي وعلة الأمر ومراتب كل منهما في الحرمة والوجوب ، فيرتفع التناقض المتوهم في ظواهر الأخبار واللّه أعلم بحقيقة الحال . واعلم : ان كتمان المرض والفقر وأنواع البلاء من كنوز البر وهو من أعلى المقامات ، ومع ذلك فالاظهار لا بأس به إذا صحت فيه النية والمقصد ، وذلك في ثلاثة أحوال : أحدها : أن يصف للطبيب حكاية لا شكاية . وثانيها : أن يذكره لمن يتعلم منه حسن الصبر ، بل الشكر بأن يراه نعمة . وثالثها : أن يظهر بذلك عجزه وافتقاره إلى اللّه تعالى ، وذلك ممن يرجو منه القوة والشجاعة ويستبعد منه العجز ، فيذكره دفعا لاحتمال التجلد واظهارا لعجزه وافتقاره .