وإن وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه » .
ثم أن نهى الدخول في بلد الطاعون فسببه ظاهر وهو القاء النفس في التهلكة ، مع أسباب مظنون بها . وأما نهي الخروج للخلاص فلعله لكونه سببا وهميا ، إذ ربما يستحكم ضرر استنشاق الهواء المتعفن في بدنه قبل ذلك ، يكون الخروج إلى الهواء الصحيح علاجا وهميا يسبق تأثير الهواء العفن في البدن ، سيما وقد انضم إلى ذلك أمور يكره معها الخروج وهي : خروج الأصحاء ، وفقد المتعهدين للمرضى ممن يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام .
ويظهر من ذلك أنه لو دخل موضع الطاعون لتعهد المسلمين لا يأثم لأن الضرر في حق نفسه موهوم ، ورجاء دفع الضرر عن بقية المسلمين أمر محقق .
وتسمية الفرار من الطاعون في بعض الأخبار بالفرار من الزحف لما فيه كسر لقلوب بقية المسلمين وسعي في اهلاكهم .
وغلط الزهاد والعباد في ظواهر الأخبار والآثار كثير . وانما شرف العلم وفضيلته لأجل ذلك ، حيث يحملها على محامل لطيفة دقيقة ، ويستخرج في كل منها سبب النهي وعلة الأمر ومراتب كل منهما في الحرمة والوجوب ، فيرتفع التناقض المتوهم في ظواهر الأخبار واللّه أعلم بحقيقة الحال .
واعلم : ان كتمان المرض والفقر وأنواع البلاء من كنوز البر وهو من أعلى المقامات ، ومع ذلك فالاظهار لا بأس به إذا صحت فيه النية والمقصد ، وذلك في ثلاثة أحوال :
أحدها : أن يصف للطبيب حكاية لا شكاية .
وثانيها : أن يذكره لمن يتعلم منه حسن الصبر ، بل الشكر بأن يراه نعمة .
وثالثها : أن يظهر بذلك عجزه وافتقاره إلى اللّه تعالى ، وذلك ممن يرجو منه القوة والشجاعة ويستبعد منه العجز ، فيذكره دفعا لاحتمال التجلد واظهارا لعجزه وافتقاره .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 518
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٥١٨