تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
تأسف فليس له توكل أصلا ، إذ الرازق كثيرا ما يرزق عباده بغير بضاعة . وان ابتلى أحد باتكال على متاعه ، فعلاجه : أن يعرف ان سوء الظن تلقين الشيطان ، وحسن الظن تلقين الرحمن . واعلم : ان توكل المعيل يخالف توكل المنفرد ، إذ دخول البوادي وترك العيال والقعود عن الاهتمام بأمرهم توكلا في حقهم فحرام ، وقد يفضي إلى هلاكهم فيؤاخذ بهم . الا أن التحقيق ان عياله ان ساعدوه على الصبر على الجوع وعلى الموت بالجوع فعليه التوكل ، وكذا نفسه وعياله ، فإذا نازعته نفسه ولم تساعده على الأمور المذكورة فهو حكم المعيل الذي لا يصبر عياله فيجب له الكسب ، فلا فرق بين المنفرد والمعيل في وجوب التوكل .

المطلب الرابع في مراتب الادّخار

فمن حصل له مال بإرث أو كسب أو غير ذلك فله أحوال ثلاثة : إما أن يأخذ قدر الحاجة من المأكل والملبس والمسكن ، ويفرق الباقي في الحال ، ولا يدخره الا المحتاج ؛ وإما أن يدخر لسنة فما فوقها وهذا خارج عن حد التوكل ، واما أن يدخر لأربعين يوما فما دونها ، قيل : أنه خارج عن التوكل ، وقيل : لا . والحق : أن أصل الادّخار مناف للتوكل ، وأما التقدير بعد ذلك فلا مدرك له . والتقدير بأربعين لميعاد موسى عليه السلام لم يكن لطول الأمل أو قصره بل لسر جرت به وبأمثاله سنة اللّه تعالى في تدريج الأمور . فالتوكل ترك الادخار ؛ وذلك لا يتم الا بقصر الأمل . وأقل درجاته يوم وليلة فما دونه ، وأكثره ما يتصور أن يكون عمر الانسان ، وبينهما درجات لا حصر لها . وكل أمر له مراتب له بداية ونهاية ، وأصحاب النهايات تسمى السابقين ، وأصحاب البدايات تسمى أصحاب اليمين . وأصحاب اليمين أيضا