والمقام الأول يمكن وجوده ، والثاني والثالث نادرا الوجود ، وان وجدا فلا يدوما .
فظهر من ذلك : ان ليس من شرط التوكل ترك كل تدبير وعمل ، بل يظهر أن ملابسته كل تدبير وعمل ينافي التوكل من حيث أنه حول المتوكل وقوته . وأما مباشرة التدبير بحول الوكيل وقوته وأمره بالتدبير فلا يخل بالتوكل أصلا .
المطلب الثالث في بيان أعمال المتوكلين
وقد عرفت العلم المثمر لحال التوكل ، ثم عرفت حال التوكل . والآن نذكر عملا يثمره حال التوكل ؛ وهو أن عمل العبد : أما جلب نافع مفقود ، أو حفظ نافع موجود ، أو دفع ضار نزل أو دفع ضار لم ينزل .
فلنذكر شرط التوكل ودرجاته في كل من هذه الأمور الأربعة : الأول : جلب النافع . وأسبابه ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : المقطوع ؛ كمد اليد إلى الطعام الموضوع بين يديك ، فإنه من الأسباب المقطوع بها بتقدير اللّه ومشيئته . فترك مثل هذه الأسباب منتظر حصول المطلوب جهل وحمق وليس من التوكل في شيء ، لكن عند مباشرة الأسباب تعلم أن الحول والقوة من اللّه تعالى لا من يدرك وأسنانك .
الدرجة الثانية : الأسباب المظنون بها ؛ كمن سافر في البراري فان الغالب فيها عدم وجود الطعام ، وان احتمل احتمالا بعيدا فليس ترك حمل الزاد فيها من التوكل المقبول عند المتوسطين ، وان كان جائزا عند الخواص . وحمل الزاد ينبغي أن يعتمد على فضل اللّه تعالى لا على الزاد .
فان قلت : فكيف يجوزه الخواص وهو القاء النفس في التهلكة ، قلت : ذلك ليس بالقاء النفس في التهلكة لأحد شخصين ؛
أحدهما : أن يعتاد ترك الطعام مقدار أسبوع ، من غير ضيق قلب وتشويش