ثم إن التوكل لا يتم في الانسان الا بأن يعتقد في وكيله أربعة أمور : منتهى الهداية إلى المصالح والمفاسد ، ومنتهى القدرة بأن لا يخاف ولا يجبن ولا يستحي ، ومنتهى الفصاحة بأن لا يكل من الكلام ، ومنتهى الشفقة إذ الأمور المذكورة لا تفيد الا إذا قارنت الشفقة .
ثم الموكل ان كان شاكا في هذه الأربعة أو في واحد منها ، أو جوز أن يكون خصمه أكمل في هذه الأربعة منه لم تطمئن نفسه إلى وكيله . وعلى هذا القياس لا بد لمن يتوكل على اللّه أن يعتقد اعتقادا جازما انه لا فاعل غيره ، واعتقد معه تمام العلم والقدرة ، ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد .
فإن لم يعتقد بأحد هذه الأمور لم يتم توكله ، وذلك اما لضعف يقينه ، أو ضعف القلب واستيلاء الجبن عليه بسبب الأوهام الغالبة عليه ، لأن للوهم تأثيرا قويا ؛ كما يخاف الانسان من أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش ، مع أنه لا يشك أنه جماد ولا يحشر الآن على ما جرت عادة اللّه عليه . وانما يتم التوكل بقوة اليقين وقوة القلب معا .
ثم أن المتوكل بحسب القوة والضعف ثلاث درجات :
الأولى : أن يكون حاله مع اللّه كحال الطفل في حق أمه ، إذ لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى سواها ولا يعتمد الا إياها ، وان نابه أمر في غيبتها لا يسبق إلى لسانه الا : يا أماه ، وان غضبت عليه أمه لا يفزع الا إليها .
الثانية : أن يكون حاله كصبي مميز وثق بكفالة أمه وشفقتها ، ولا يطلب منها شيئا ، ولا يخطر في قلبه الا أمه دون ضمانها وكفالتها عليه .
الثالثة ؛ وهي أعلاها : أن يكون بين يدي اللّه في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل ؛ مثاله صبي علم أن أمه يتكفلها ولم يطالب منها . وهذا المقام يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقة بكرمه وعنايته ، وينفي التدبير رأسا ، بل يبقى صاحبه كالمبهوت . كما أن المقام الثاني يثمر ترك السؤال دون الدعاء ، وينفي كل تدبير الا من حيث الفزع إلى اللّه بالدعاء ؛ والأول يثمر ترك السؤال من غيره فقط ، ولا ينفي أصل التدبير بل بعض التدبيرات .