مرة ومرة إلى العباد ، ونسبها بعينها مرة أخرى إلى نفسه ، كما قال تعالى في الموت :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
« 1 » ؛ وقال
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
« 2 » .
وأما واضع اللغة فقد وضع اسم الفاعل للمخترع ، فمن أن المخترع هو العبد يجعله حقيقة في العبد ، ويلزمه أن يكون مجازا في من له الأقدار والتمكين ؛ مثل نسبة القتل إلى الأمير فإنه حقيقة في الجلاد عندهم .
وأما الذين انكشف الحق لهم عرفوا أن الأمر بالعكس ، وان الصيغة حقيقة في حقه تعالى ، لأنه المخترع حقيقة ، فلا فاعل الا هو ، فيكون مجازا في العبد بمعنى أنه كاسب ومحل للفعل ، كما أن من عرف أن حقيقة القتل من الأمير يجعل نسبته إلى الجلاد مجازا لكونه مظهرا له ، كما تقرر تحقيق هذا المقام في علم المعاني . ولهذا عرفوا المجاز الحكمي بغير ما هو له عند المتكلم لا مطلقا .
فان قلت : فإذا ظهر أن الكل فعل نفسه ، فكيف يغضب عليه ويرضى له ، فاعلم : ان سر ذلك قد مر في كتاب الشكر ، فارجع اليه ، فهذا الذي ذكرناه من بحر التوحيد هو الذي يورث حال التوكل ، لكنه لا يتم الا بالايمان بالرحمة والحكمة ، فان التوحيد يورث النظر إلى مسبب الأسباب ، والايمان بالرحمة وسعتها هو الذي يورث الثقة بمسبب الأسباب ، ولا يتم حال التوكل كما سيأتي الا بالثقة بالوكيل وطمأنينة القلب إلى حسن نظر الكفيل وهذا الايمان أيضا باب عظيم من أبواب الايمان وحكاية طريق المكاشفين فيه طويل .
وحاصله : ان اللّه تعالى لو خلق آحادا مشتملين على جميع أنواع الكمال وأصناف القدرة التامة ، ومع ذلك لو تظاهروا على زيادة ذرة واحدة أو نقصها في العالم لما قدروا على ذلك ، ولما وجدوا في خلقه تعالى من قصور وان أمعنوا في ذلك أنظارهم ، ورجعوا فيها أبصارهم . وأيضا : كل ما قسم اللّه بين عباده من كمال وفتور ، وعجز وسرور ، ورزق وأجل ، واقدام ووجل ، وطاعة وعصيان ، وكفر وايمان ، كله عدل محض لا جور فيه ، وحق صرف لا ظلم فيه ، بل هو
هامش
( 1 ) سورة السجدة ، آية : 11 .
( 2 ) سورة الزمر ، آية : 42 .