تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
على الترتيب الواجب والأسلوب الحق والقدر اللائق ، وليس في الامكان أصلا أحسن منه ولا أتم وأكمل . ولو كان ادخره مع القدرة لكان بخلا يناقض الجود وظلما يناقض العدل ، ولو لم يكن قادرا لكان عجزا يضاد الألوهية ، بل كل ضرر وفقر هو نقصان في الدنيا وزيادة في الآخرة . وكل نقص في الآخرة بالإضافة إلى الشخص فهو نعيم بالإضافة إلى غيره ، إذ لولا الليل لما عرف قدر النهار ، ولولا النار لم يعرف أهل الجنة قدر النعمة . وأيضا : فداء أرواح الأنس بأرواح البهائم وتسليطهم على ذبحها ليس بظلم ، بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل ، فكذلك تفخيم النعم على سكان الجنان بتعظيم العقوبة على أهل النيران فداء لأهل الايمان بأهل الكفران عين العدل ، وما لم يخلق الناقص كالبهائم لم يعرف الكامل كالانسان . وكذلك الأمر في التفاوت في القسمة بين الخلق في الدنيا والآخرة ، وكل ذلك عدل لا جور فيه وحق لا لعب فيه . وهذا الآن بحر آخر عظيم غرق فيه الأكثرون ، قريب في السعة من بحر التوحيد ، ولا يعقلها الا العالمون . ووراء هذا البحر سر القدر الذي تحير فيه الأكثرون ، ومنع من افشاء سره المكاشفون . والحاصل : أن الخير والشر مقضى به ، وما قضى اللّه واجب الحصول بعد سبق المشيئة فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره ، وما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك . وانما أطنبنا في هذا المطلب لأن هذا الباب غاية كل العلوم واليه ينتهي أصل كل سعادة ، فلا تغفل .

المطلب الثاني في بيان حال التوكل

وما ذكرناه أصل التوكل وهو العلم ، وهذا حاله وحقيقته ، ثم نذكر ثمرته وهو العمل . فنقول : التوكل مشتق من الوكالة ، وهي تفويض الأمر إلى الغير والاعتماد عليه فيه . ويسمى الموكل اليه وكيلا ، والمفوض متكلا ومتوكلا . فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 508 | أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده