تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
منه إرادة بعد تحير وتردد ، وفعل الانسان على منزلة بين المنزلتين فإنه جبر على الاختيار . فطلب أهل الحق لهذا عبارة ثالثة فسموه كسبا ، وهو جامع بين الجبر والاختيار عند من فهمه . ثم أن ترتب الأمور المذكورة بعضها على بعض ليس بأن المتأخر حدث عن المتقدم بالتوليد ، لأن ذلك جهل محض ، بل حوالة جميع ذلك على القدرة الأزلية التي لم يقف على حقيقة معناها الا الراسخون ، وانما يقف من يقف على مجرد لفظها ، مع قياسها على قدرتنا القاصرة وهو بعيد عن الحق . ولا يمكن تفهيم ذلك على وجه الصواب . والقدر الممكن من ذلك هو : ترتب بعض المقدورات على البعض في الحدوث انما هو ترتب المشروط على الشرط ، ودرجات ترتيب الشروط كثيرة لا تظهر للعوام ، وبعضها لا تظهر الا للخواص المكاشفين بنور الحق . وبالجملة : فلا يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر عبثا واتفاقا بل ذلك بطريق الحق واللزوم ، وكذل جميع أفعاله تعالى كما قال عز وجل :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
« 1 » . فكل ما بين السماء والأرض حادث عن ترتيب واجب وحق لازم ، لا يتصور ان يكون الا كما حدث وعلى الترتيب الذي وجد ، فما تأخر متأخر الا لانتظار شرطه ، والمشروط قبل الشرط محال ، والمحال لا يوصف بكونه مقدورا ، فإذا لا بد من بيان كونه موقوفا على الشرط مع كونه مقدورا وأن القدرة موجودة . ولا يمكن تفهيم ذلك لذوي الافهام الضعيفة الا بمثال ؛ وهو : أن تقدر انسانا محدثا منغمسا في الماء إلى رقبته ، فان الحدث لا يرتفع عنه الا عند غسل الوجه ، فقبل غسله نقول : لم يرتفع الحدث عن يده ورجله مثلا لتوقفه على غسل الوجه على ملاقاة الماء ، الذي هو السبب الحقيقي في رفع الحدث ، فإذا الماء
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، آية : 16 .