وتفصيل ذلك : ان للانسان فعلا طبيعيا ؛ كخرق الماء إذا وقف عليه فإنه ينزل بثقله إلى قعره فيخرقه ، وفعلا اراديا ؛ كنفسه ، وفعلا اختياريا ؛ ككتابته .
ثم إن الاختياري ربما يكون اضطراريا لبعض الأسباب ؛ مثلا طبق الأجفان إرادي ، ولو قصد عين الانسان بإبرة يكون اضطراريا إذ لا يقدر على فتحه في تلك الحال ، فيلتحق بالطبيعي في تلك الحال .
وانما موضع الالتباس : الفعل الاختياري كالكتابة والنطق ، إذ يظن أنه ان شاء فعل وان شاء ترك ، وتارة يشاء وتارة لا يشاء . لكن هذا الظن من الجهل بمعنى الاختيار .
وبيانه : أن القدرة تبع للإرادة ، وهي تبع للعلم الذي يحكم بأن الشيء موافق لك .
ثم أن الخيرية قد تعلم بتردد وتوقف ؛ كمن أراد سفرا مثلا ، وقد تعلم بلا تردد ؛ كما في حركة الأجفان عند القصد بالإبرة ، وحركة اليد بدفع السيف ، إذ تظهر خيرية الحركتين دفعة ، وهو عين الاختيار المشتق من الخير ، الا أنه ظهر على البديهة لثبوت خيريته بتجارب كثيرة ومشاهدات دائمة . ولذلك قيل :
العقل يحتاج إلى التمييز بين خير الخيرين وشر الشرين . والأول كان يتردد بين كتابة كتابين كلاهما خير له ، والثاني كمن يرمي نفسه من السطح هربا من السيف .
وأما بين الخير والشر فلا يتردد أصلا ؛ كمن غمض عينيه للإبرة ، فالحركة في الانسان مسخرة لقدرته ، وقدرته لإرادته ، وارادته لداعيته ، وهي الأمر الحاصل من العلم بكون شيء خيرا ، فإذا معنى كونه مجبورا أن جميع هذه الأمور حاصلة فيه من غيره لا منه ، إذ الخالق للكل هو اللّه عز وجل .
ومعنى كونه مختارا : انه محل لإرادة حدثت فيه جبرا بعد حكم العقل بكون الفعل خيرا ، وحدث الحكم جبرا فإذا هو مجبور على الاختيار . ففعل النار في الاحراق مثلا جبر محض ، وفعل اللّه تعالى اختيار محض بشرط أن لا يفهم
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 504
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٥٠٤