تنور بصيرته بأنوار عالم الملكوت .
إذا عرفت هذا فلعلك التوكل مخصوص فمن يفهم حقيقة التوحيد ولا يوجد في غيره المتوكل .
واعلم : ان من لا يفهم التوحيد :
أما جاحد : فلا يقبل العلاج ، وهؤلاء في انكار عالم الملكوت بمنزلة الحشوية المنكرين لعالم الجبروت أيضا ، حيث حصروا العلم في الحواس الخمس وأنكروا العلم والقدرة والإرادة كما أنكر السوفسطائية الحواس أيضا .
وأما جاهل غير جاحد : فينظر ان كان عين بصيرته صحيحة يعالجون مرضها ، والا فيتكلمون معهم بقدر عقولهم ، لأنهم يعرفون ان المنزل يفسد بصاحبين ، والبلد يفسد باميرين . فيقال لهم على حد عقلهم : اله العالم ومدبره واحد ، لو كان فيهما آلهة غير اللّه لفسدتا . فيكون ذلك على وفق ما رآه في عالم الشهادة ، فينغرس في قلبه اعتقاد التوحيد بهذا الطريق اللائق بقدر قلبه .
ثم أن هذا الاعتقاد إذا قوى عمل عمل الكشف في إثارة التوكل وسائر الأحوال ، الا أنه في الغالب يضعف ويسارع اليه الاضطراب والتزلزل . ولهذا احتيج إلى علم الكلام ليحرس به العقيدة التي تلقفها من أبوابه أو أستاذه أو أهل بلده .
فان قلت : كون الأسباب مسخرات ظاهر الا في حركات الانسان ، فإنه يتحرك أو يترك ان شاء ، قلت : نعم ، الحركة لازمة للقدرة ، والقدرة للمشيئة ، لكن المشيئة تحدت ضرورة في القلب :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » .
فالمشيئة ان كانت ضرورية فما بعدها من القدرة والحركة مترتبة عليها ضرورة ، فهو مضطر في الجميع . ويسمى هذا جبرا ، لا جبرا محضا كالجمادات ، بل جبرا في غير اختيار .
هامش
( 1 ) سورة الانسان ، آية : 3 .