وهذا اجمال . وتفصيله مما يفوقه الحصر . وقد ذكر اللّه تعالى سبعة منها في آية واحدة فقال :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا .
« 1 » ؛ ثم ردها إلى خمسة في آية أخرى فقال :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
« 2 » ؛ ثم ردها إلى اثنين في آية أخرى فقال :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
« 3 » ؛ ثم رد ذلك كله إلى واحد في موضع آخر فقال :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
« 4 » لأن الهوى يجمع الكل .
ولا يذهب عليك ان لا مخالفة بين هذه التفاصيل بل البعض داخل في البعض ، ولذلك اختلفت فيه عبارات السلف ، إذ كل منهم ذكر ما عنده في الحال . ولا أجمع مما ذكره أبو سليمان الداراني إذ قال : الزهد ترك كل شغل يشغلك عن اللّه تعالى .
وأما أقسام الزهد بالإضافة إلى أحكامه : إما فرض وهو الزهد في الحرام ، أو نفل وهو الزهد في الحلال ، أو سلامة وهو الزهد في الشبهات .
وأما درجات الزهد ظاهرا وباطنا فلا حصر لها ؛ وأعلاها : زهد عيسى عليه السلام حيث ترك حجرا تحت رأسه ، وزهد يحيى عليه السلام حيث لبس مسوحا تنقب منها جلده ، وجلس أويس رضي اللّه عنه في قوصرة للعرى .
وقال قوم : الزهد لا يكون الا في الحلال ولم يبق حلال في أموال فلا يتصور الزهد في الحال . فان قلت : كيف يتصور الزهد مع أنك تأكل وتشرب وتلبس وتخالط الناس ؟ قلت : الغرض من الزهد الانصراف إلى اللّه بكل القلب ، فالاستعانة بالأمور المذكورة للعبادة ليس اشتغالا بغير اللّه ؛ فان قلت :
تتلذذ بها ؟ قلت : التلذذ لا يضر ان كان قصدك الاستعانة للعبادة دون التلذذ بالأمور المذكورة .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية : 14 .
( 2 ) سورة الحديد ، آية : 20 .
( 3 ) سورة الأنعام ، آية : 32 .
( 4 ) سورة النازعات ، آية : 40 .