المطلب الخامس في حقيقة الزاهد وفضيلته
وهو انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه ، فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا ، وبالإضافة إلى المعدول اليه يسمى رغبة وحبا ، فلا بد في الزهد من مرغوب عنه ومرغوب فيه . ويشترط أن يكون المرغوب عنه مرغوبا فيه بوجه من الوجوه ؛ فتارك التراب والحجر مثلا لا يسمى زاهدا ، وبشرط أن يكون المرغوب فيه خيرا من المرغوب عنه عنده فالمشترى خير من المبيع عنده .
فكل من باع الدنيا بالآخرة وبالعكس فهو زاهد في وضع اللسان ، الا أن العرف جرى بتخصيصه بالأول . والذي يرغب عن كل ما سوى اللّه فهو زاهد مطلق ، والذي يرغب عن الدنيا بل طمع في الحور والقصور فهو زاهد أيضا ولكنه دون الأول ، والذي يترك بعضا من حظوظ الدنيا - كأن يترك المال دون الجاه - فلا يستحق اسم الزهد مطلقا وان جاز اطلاقه عليه ، كما أن اطلاق التوبة على من يتوب عن بعض المعاصي وان كانت توبة ، لكن التائب مطلقا من يتركها كلها . ثم إن المقتصر على ترك المحظورات لا يسمى زاهدا بل العرف خصه بترك المباحات .
فظهر من هذا كله : أن الزهد رغبة عن الدنيا إلى الآخرة ، وعن غير اللّه إلى اللّه عز وجل ، وهي الدرجة العليا .
ثم أنه يشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه ، كما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيرا عنده . ولذلك قيل لابن المبارك : يا زاهد ، فقال :
الزاهد عمر بن عبد العزيز ، أتته الدنيا راغمة فتركها ، وأما أنا ففيما ذا زهدت ؟
هذا الذي ذكرناه هو الحال المسمى بالزهد . وان هناك علما مثمرا لهذه الحال ، وعملا يثمره الحال .
أما العلم : فهو معرفة كون المتروك حقيرا بالإضافة إلى المأخوذ ، ولا شك