ان ما عند اللّه باق ، وان الآخرة هي خير وأبقى . وهذه المعرفة وان كانت كافية في نفسها في كونها مثمرة للزهد ، لكن قد لا تثمره ، أما الضعف عمله وبقيته أو لاستيلاء الدنيا والشهوة عليه في الحال بكونه مقهورا في يد الشيطان ، وإما لاغتراره بالتسويف يوما فيوما .
وأما العمل الصادر عن الزهد : فهو ترك وأخذ واستبدال الذي خير بالذي هو أدنى . وأما إذا لم تقدر على الدنيا لم يتصور منك الزهد ، لأن الترك بعد القدرة . الا أن الشيطان ربما يخيل إليك أنك زاهد وتارك للدنيا إذا أتاك ، وهذا غرور باطل فلا تثق بالقدرة قبل التجربة . ثم أن الزاهد تركها لحقارتها لا لأجل السخاء واستمالة القلوب وعلى سبيل الطمع ، لأن هذه من محاسن العادات ولا مدخل لها في العبادات .
بل الزاهد من أتته الدنيا راغمة عفوا صفوا وهو قادر على التنعم بها - من غير نقصان جاه وقبح اسم وفوات حظ آخر للنفس - فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون مشركا في حب اللّه ، أو تركها طمعا في ثواب الآخرة ، فترك التمتع بملاذ الدنيا طمعا في طيبات الجنة ، لئلا يقال له :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
« 1 » . . . الآية .
وأما فضيلة الزهد : فمذكورة في الآيات والأخبار والآثار لا يحتاج إلى تفصيلها ، بل كل فطرة سليمة تحكم بفضيلتها إذا خليت ونفسها .
المطلب السادس في درجات الزاهد وأقسامه
أما درجاته فثلاث :
السفلى منها للمتزهدين : وهو أن يزهد في الدنيا وقلبه مشته لها ، ولكنه يجاهدها ويكفها . وهذا على خطر ، إذ ربما تغلبه نفسه فيستريح إليها في قليل أو كثير .
هامش
( 1 ) سورة الأحقاف ، آية : 20 .