والعليا منها : أن يزهد طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده ، إذ لا يرى أنه ترك شيئا ، والدنيا بالإضافة إلى الآخرة أخس من الخنفساء بالإضافة إلى الجوهرة ؛ ومثل ذلك بأن ألقى لقمة إلى كلب منعه عن الدخول إلى باب الملك وشغله بها ، ودخل ونال القرب عنده ، والدنيا أقل من لقمة عند اللّه فكيف لا تلقيها إلى شيطان يمنعك عن القرب إلى اللّه تعالى .
وأما الدرجة الوسطى : فهي أن يرى الدنيا شيئا ولكن يحتقرها بالإضافة إلى الآخرة ويتركها لأجلها ، كالذي يترك الدرهم لدرهمين وان كان منتظرا انتظارا قليلا . وهذا الزاهد يرى زهده ويلتفت اليه ، ويظن نفسه أنه ترك ماله قدرا لما هو أعظم قدرا منه ، وهذا أيضا نقصان .
ثم أن للزهد درجات ثلاث بالإضافة إلى المرغوب فيه أيضا :
الأولى ، وهي السفلى : أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار وسائر الأهوال ، وهذا زهد الخائفين .
والثانية : أن يرغب في الثواب والنعيم ، وهذا زهد الراجين .
والثالثة ؛ وهي العليا : أن يرغب في اللّه تعالى وفي لقائه ، ولا يلتفت إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ، ولا إلى اللذات ليقصد نيلها ، بل هو مستغرق الهم باللّه تعالى ، وهو الذي أصبح وهمه هم واحد ، وهو الموحد الذي لا يطلب غير اللّه . وهذا زهد المحبين والعارفين .
وأما أقسامه باعتبار المرغوب عنه فأربعة :
أحدها : أن يزهد عن كل ما سوى اللّه حتى عن نفسه .
وثانيها : أن يزهد في كل صفة للنفس فيها متعة : من الشهوة والغضب والكبر والجاه ونحوها .
وثالثها : أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما لأنهما مرجع جميع الحظوظ .
ورابعها : أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم ، لأن الدينار والدرهم يجمعان جميع الأموال .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 492
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٤٩٢