تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
والعليا منها : أن يزهد طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده ، إذ لا يرى أنه ترك شيئا ، والدنيا بالإضافة إلى الآخرة أخس من الخنفساء بالإضافة إلى الجوهرة ؛ ومثل ذلك بأن ألقى لقمة إلى كلب منعه عن الدخول إلى باب الملك وشغله بها ، ودخل ونال القرب عنده ، والدنيا أقل من لقمة عند اللّه فكيف لا تلقيها إلى شيطان يمنعك عن القرب إلى اللّه تعالى . وأما الدرجة الوسطى : فهي أن يرى الدنيا شيئا ولكن يحتقرها بالإضافة إلى الآخرة ويتركها لأجلها ، كالذي يترك الدرهم لدرهمين وان كان منتظرا انتظارا قليلا . وهذا الزاهد يرى زهده ويلتفت اليه ، ويظن نفسه أنه ترك ماله قدرا لما هو أعظم قدرا منه ، وهذا أيضا نقصان . ثم أن للزهد درجات ثلاث بالإضافة إلى المرغوب فيه أيضا : الأولى ، وهي السفلى : أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار وسائر الأهوال ، وهذا زهد الخائفين . والثانية : أن يرغب في الثواب والنعيم ، وهذا زهد الراجين . والثالثة ؛ وهي العليا : أن يرغب في اللّه تعالى وفي لقائه ، ولا يلتفت إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ، ولا إلى اللذات ليقصد نيلها ، بل هو مستغرق الهم باللّه تعالى ، وهو الذي أصبح وهمه هم واحد ، وهو الموحد الذي لا يطلب غير اللّه . وهذا زهد المحبين والعارفين . وأما أقسامه باعتبار المرغوب عنه فأربعة : أحدها : أن يزهد عن كل ما سوى اللّه حتى عن نفسه . وثانيها : أن يزهد في كل صفة للنفس فيها متعة : من الشهوة والغضب والكبر والجاه ونحوها . وثالثها : أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما لأنهما مرجع جميع الحظوظ . ورابعها : أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم ، لأن الدينار والدرهم يجمعان جميع الأموال .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 492 | أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده