تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
وبالجملة : الأخذ بالرضا بأن يعلم أن المسؤول لو علم لابتدأ بالعطاء ، فلا يكون منك الا أعلام حاجتك فهو حلال ، والأخذ بالحياء حرام ، وبينهما أمور مشتبهات ، فاستفت فيها قلبك . واعلم : ان مقدار الغنى المحرم للسؤال يتوقف على تفصيل وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا حق لابن آدم الا في ثلاث : طعام يقيم به صلبه ، وثوب يواري عورته ، وبيت يسكنه فما زاد فهو حساب » . هذه أجناسها . وأما أقدارها : فالثوب مثلا يراعي فيه ما يليق بذوي الدين ، وهو ثوب واحد : قميص ومنديل وسراويل ومداس . وكذا أثاث البيت لا يطلب كون الأواني من النحاس والصفر فيما يكفي في الخزف ، فيقتصر العدد على واحد ، ومن النوع على أخس أجناسه ما لم يكن في غاية البعد عن العادة . وأما الطعام فقدره في اليوم مد وهو ما قدره الشرع ، ونوعه ما يقتات ولو الشعير ، والأدم على الدوام فضلة ، وقطعه بالكلية اضرار ، وفي طلبه في بعض الأحوال رخصة . وأما المسكن فأقله ما يجزي من حيث المقدار وذلك من غير زينة . تم هذه الأمور مما يحتاج اليه حقيقة . ثم الحاجة إليها : أما في الحال ، من طعام يوم وليلة ، أو ثوب يلبسه ، أو مأوى يسكنه ، فلا شك في حل السؤال له ؛ وأما في المستقبل فثلاث درجات : أما ما يحتاج اليه في غد أو بعد أربعين يوما أو خمسين أو بعد سنة ، فالسائل الذي له ولعياله قوت سنة وفسؤاله حرام لأن ذلك غاية الغنى . وأما ما دون السنة فلا يحل له السؤال أن كان غنيا في الحال ، الا أن يخاف فوت الفرصة في الاستقبال بأن لا يجد من يعطيه إذا أخر ، لأن البقاء سنة ممكن عادة . وان كان خوف العجز في المستقبل ضعيفا وكان ما لأجله السؤال خارجا عن محل الضرورة لم يخل سؤاله عن كراهة . وبالحقيقة : جانب ترك السؤال أعلى ، لأن السؤال من ضعف اليقين ، والاصغاء إلى تخويف الشيطان . وحال من يسأل الحاجة وراء يومه ، وحال من ملك مالا موروثا وادخره لحاجة وراء السنة سيان في كونهما حب الدنيا وطول الأمل وعدم الثقة بفضل اللّه ، وان كانا مباحين في الفتوى الظاهرة واللّه أعلم .