تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
وأما وجه اباحته إما اضطرار ؛ كسؤال الجائع الخائف عن الموت أو المرض ، وسؤال العاري وليس معه ما يواري بدنه ، وأما احتياجه حاجة مهمة لا تبلغ حد الاضطرار ؛ كمن له جبة لكنه يتأذى بالبرد ، وكمن يريد الكراء وهو قادر على المشي لكن بتعب ، وهذا المحتاج يحل له السؤال أيضا ولا يكره . وأما الحاجة الخفيفة ؛ كمن يريد ثوبا على ثيابه يريد ستر خروقها عن أعين الناس ، وكمن يسأل الرجل الادم وله خبز ، وكمن يكتري الفرس وهو واحد كراء حمار . وهذه ان أظهر حاجة غير هذه فهو حرام ، والا فالسؤال مباح مع الكراهة ، بشرط أن لا يصحبه المحذورات الثلاث من الشكوى أو الذل أو الايذاء ، وان صحبته هذه الأمور فيحرم لأن المصلحة المذكورة لا يباح بها هذه المحذورات . فان قلت : هل يمكن الخلو عن هذه المحذورات ؟ قلت : يمكن ؛ اما عن الشكوى : بأن يظهر الشكر للّه ويقول : أنا مستغن حقيقة لكن رعونة النفس تطالبني بثوب فوق ثيابي هذه ، وهو فضلة عن الحاجة ؛ أما الذل : فبأن يسأل قريبه أو صديقه أو كريما يفرح بمثل هذا ويتقلد منة لقبوله ؛ وأما الايذاء : فبأن يلقي الكلام عرضا أو يسأل من لا يستحيي فان الحياء مما يؤذي ، حتى أن علم أنه أعطاه لأجل الحياء فذلك المال حرام بل بمنزلة الأخذ بالضرب ، لأن سوء الباطن الحياء وخوف الملام ، وهذا أشد نكاية من ضرب الظاهر بالسياط ورضا الظاهر ، وان كان عذرا في القضاء لعدم امكان الاطلاع على البواطن ، وأما الذي يكون القلوب عنده كالألسنة وهو أحكم الحاكمين فلا يفيد الظاهر عنده شيئا - ويجب رده على صاحبه عنده . فلا تنظر في مثل هذا الا إلى قلبك وان أفتوك وأفتوك ، ولكن حال القلب خفيا تورع عن السؤال المتقون إلا إذا بلغ حدا يحل فيه الخنزير والميتة . ومنهم من يثق ببصيرته في الاطلاع على قرائن الأحوال ، فيأخذون من بعض دون بعض . ومنهم من لا يأخذ الا من أصدقائه ، أو عند بلوغ الحال حد الاضطرار .