محض اتباع الهوى . ثم هو إما أن يأخذ علانية ويرد سرا وهذا مقام الصديقين ، وهو شاق على النفس لا يطبق الا من اطمأنت نفسه بالرياضة ؛ واما أن يترك ولا يأخذ لصرفه صاحبه إلى من هو أحق منه ، ويأخذ ويوصله إلى من هو أحوج منه . ثم هو اما أن يفعل كلاهما في السر وفي العلانية ، وقد ذكرنا الأفضل من هذه الأقسام في كتاب أسرار الزكاة . فالامتناع عن القبول هو الزهد . وأخذه وصرفه إلى محتاج هو غاية الزهد ولا يقدر عليه الا الصديقون .
وأما ان تعهدت جماعة من الفقراء فخذ ما زاد على حاجتك فإنه غير زائد على حاجة الفقراء ، وبادر إلى الصرف إليهم ولا تمسكه ولو ليلة واحدة ، إذ ربما تستحليه فتمسكه أزمانا كثيرة إلى أن تؤدي إلى فتنة عظيمة . وقد تصدى لخدمة الفقراء جماعة وتوسلوا بها إلى التنعم في المطاعم والمشارب ، وذلك هو الهلاك .
ويجوز لهم الاستقراض للفقراء طلبا للثواب ، لكن لا على اعتماد أموال السلاطين الظلمة بل على حسن الظن باللّه تعالى ، فان مات قبل القضاء قضى عنه وأرضى غرماءه ، ولكن بشرط أن يكشف حاله عند المقرض لئلا يغره ويخدعه بالمواعيد ، ودين مثل هذا الرجل يجب أن يقضي من بيت المال أو من الزكوات .
المطلب الرابع في تحريم السؤال من غير ضرورة
وقد وردت الأخبار في تحريمه وجوازه . والتوفيق بينهما أنه حرام في الأصل مباح للضرورة أو لأمر قريب منها .
أما حرمته فلأمور : اظهار الشكوى من اللّه تعالى بالسؤال لأنه اظهار القصور نعمة اللّه تعالى عنه ، وأيضا : هو اذلال النفس لغير اللّه وليس للمؤمن أن يذل نفسه وذلك في الذلة لغير مولاه ، وأما هي فعزة حقيقة ، وأيضا : فيه ايذاء المسؤول غالبا وهو حرام ، إذ ربما لا تسمح نفسه بما يبذله عن طيبة قلب ، وان بذله رئاء أو حياء فأخذه حرام عليه .