الغني ربما يظن أنه منقطع القلب عن حب المال ويكون حبه دفينا في باطنه وهو لا يشعر به ، فليجرب نفسه بتفريقه أو إذا سرق منه ، فان وجد لقلبه اليه التفاتا فليعلم أنه كان مغرورا ، وهذا حال كل الأغنياء سوى الأنبياء والأولياء . فظهر منه أن الفقر أصلح لكافة الخلق وأفضل ، ولهذا ورد فضل الفقر في الأخبار والآثار وكلمات المشايخ .
المقام الثاني : في نسبة الفقير الحريص إلى الغني الحريص ؛ فإن كان مطلوبهما قدر الحاجة في أن يستعين بذلك على طريق الدين فحال الواجد أفضل ، لأن الفقد يشغله بالطلب ؛ وإن كان مطلوبهما فوق الحاجة ، أو كان المطلوب قدر الحاجة ولكن لم يكن المقصود الاستعانة به على طريق الدين ، فحالة الفقر أفضل وأصلح ، لأنهما وإن استويا في الحرص وحب المال ، وفي عدم الاستعانة على الدين ، وفي عدم التعرض للمعاصي بسبب الفقر والغنى ، ولكن افترقا في أن الواجد يأنس بما وجه فيتأكد حبه في قلبه ويطمئن إلى الدنيا ، والفاقد المضطر يتجافى قلبه عن الدنيا ، وتكون الدنيا عنده مثل السجن الذي ينبغي الخلاص منه . وأنس الواجد أكثر من أنس الفاقدين وإن حريصا ، فإذا الفقر هو الأشرف والأفضل والأصلح لكافة الخلق ، إلا بمثل عائشة رضي اللّه عنها حيث استوى عندها الغني والعدم ، وإلا للفقير عن مقدار الضرورة فإن ذلك يكاد أن يكون كفرا .
المطلب الثالث في آداب الفقير في فقره
أما باطنا : فأن لا يكره الفقر من حيث أنه فعل اللّه ، وان كان يكره الفقر كمن يكره الحجامة ويتقلد على الحجام منة على فعله . وأرفع من هذا أن لا يكره الفقر أيضا . وأرفع منه أن يطلبه ويفرح به لعلمه بغوائل الغنى ، ويتوكل في باطنه على اللّه واثقا في قدر ضرورته ، وأنه يأتيه لا محالة ويكره الزيادة على الكفاف .
وأما ظاهرا : فأن يظهر التعفف والتجمل ، ولا يظهر الشكوى والفقر بل