تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤

وهو : ان الشك هاهنا في مقامين :

أحدها : فقير صابر قانع ، وغني منفق ماله في الخيرات ليس حريصا على امساك ماله . واما الغني المتمتع بالمباحات فلا يتصور أن يفضل على الفقير القانع أصلا . ثم الناس اختلفوا وقال بعضهم : ان الغني أفضل لأنهما متساويان في ضعف الحرص ، ويفضل الغني بالخيرات . وقال آخرون : الفقير أفضل لأنهم لا ينفكون في القدرة على المال عن أنس بالدنيا وتمتع بالقدرة عليها واستشعار راحة في بذلها ، والعبد بقدر استئناسه بصفة من صفاته سوى صفة المعرفة باللّه يستوحش من اللّه ومن حبه ، مهما انقطعت أسباب الأنس بالدنيا تجافي القلب عن الدنيا وزهرتها إلى محبة اللّه تعالى ، إذ لا يتصور قلب فارغ وليس في الوجود الا اللّه عز وجل وغيره ، فيكون اقبال القلب إلى أحدهما بقدر تجافيه عن الآخر ، وقربه من أحدهما بحسب بعده عن الآخر ، فإذا المانع عن محبة اللّه تعالى هو محبة الدنيا . والمحبة قد تكون مع وجودها كما في محبة الغني الدنيا ، وقد تكون مع فقدها كما في محبة الفقير الدنيا . فإذا الفقر قد يكون من الشواغل إذ قد يطلبها ويشتغل بطلبها ، كما أن الغنى من الشواغل لأجل طلبها . فإذا ان فرضت فارغين عن حب المال أحدهما فاقد والآخر واجد فهما متساويان ، إذ كل واحد غير متمتع الا بقدر الحاجة . الا أن هذا المفروض نادر في الوجود ، وانما الأكثر افتتان الفقر بالضراء والغنى بالسراء . فقد ذكر المحققون : أن الفقر ابعد عن الخطر ، إذ فتنة السراء أشد من فتنة الضراء ، وقالوا : ان من العصمة أن لا يقدر . ولما كان خطاب الشرع مع الكل لا مع ذلك الفاذ النادر زجر عن الغنى وذمه ، وفضل الفقر ومدحه . فإذا عرفت ان الفضل بينهما بحسب تعلق القلب بالمال وعدمه ، حتى أن تساويا فيه تساوت درجتهما ، فاعلم : ان هاهنا مزلة قدم وموضع غرور ، وهو أن