كثرة الماء في جوارك بآن تكون على شاطئ البحر ، ولا قلته الا في قدر الضرورة ، مع أن المال محتاج اليه كالماء . فلا يكن قلبك مشغولا بالفرار عن جوار الماء وتبغض الماء الكثير ، بل تقول : أشرب منه بقدر حاجتي ، واسقي منه عباد اللّه بقدر حاجتهم ولا أبخل به على أحد .
وإذا عرفت اللّه عز وجل ووثقت بتدبيره الذي دبر به العالم ، علمت أن قدر حاجتك من الخبز يأتيك لا محالة ما دمت حيا ، كما يأتيك قدر حاجتك من الماء وأنت لا تضطرب للماء ، فلأي شيء تضطرب للقوت مع أن المدبر في كليهما واحد .
ثم أنك لعلك تقول : أن مذمة الدنيا في الآيات والأخبار توجب البغض والفرار لمن يخاف عليه أن يخدعه المال ويدعوه إلى الشهوات ، كما هو حال الضعفاء وهم الأكثرون ، والا فالأقوياء لا يلزمهم الفرار ولا يجب عليهم البغض ، فمن يكون أقوى من النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا ، ولم يكن عندهم حبها ولا الاشتغال ببغضها ، وانما استوى عندهم الماء والمال والذهب والحجر .
وما ينقل من الفرار عن الأقوياء فإنما ذلك لئلا يقتدى في الأخذ الضعفاء فيهلكوا .
فظهر مما سبق أن المراتب ست ، وان أعلاها المستغني ثم الزاهد ثم الراضي ثم القانع ثم الحريص . وأما المضطر فيتصور في حقه أيضا الزهد والرضا والقناعة ، ودرجته مختلفة باختلاف هذه الأحوال .
المطلب الثاني في فضيلة الفقر
أما بالآيات والأخبار فأكثر من أن يحصى .
وأما فضيلته على الغنى مطلقا فقد لا يستريب في ذلك أحد ممن قرأ الأخبار والآثار ، لكن لا بد فيه من تفصيل :