ورابعها : الحرص . وهو أن يرغب فيه رغبة لو وجد سبيلا إلى طلبه لطلبه ولو بالتعب .
خامسها : الاضطرار . وهو أن يكون مضطرا إلى ما فقده من المال ؛ كالجائع الفاقد للخبز ، وقلما ينفك هذا عن الرغبة أما الضعيفة أو القوية .
وأعلى هذه الدرجات الزهد ، سيما إذا انضم اليه الاضطرار فهو أقصى الدرجات . ووراء هذه الدرجات مرتبة أعلى من جميعها ويخص باسم المستغني ، وهو الغني عن دخول المال في يده ، وعن بقائه في يده ، وعن خروجه من يده ، فإنه ليس يتأذى به ليحتاج إلى اخراجه ، وليس فاقدا له ليحتاج إلى الدخول في يده ، فهو إلى الغنى الذي هو وصف اللّه تعالى أقرب .
ولا نسميه غنيا بل مستغنيا ، إذ الغنى المطلق هو الغنى عن كل شيء وهو يختص باللّه سبحانه وتعالى ، وأما هذا العبد فإنما يستغني عن المال وجودا وعدما ، لا عن أشياء أخر سيما توفيق اللّه الذي زين هذا في قلبه . وهكذا كانت حال عائشة رضي اللّه عنها ، إذ أتاها مائة ألف درهم من العطاء فأخذتها وفرقتها في يومها ، فقالت لها خادمتها : لو اشتريت لنا لحما بدرهم ، فقالت : لو ذكرتني لفعلت . فمن هذا حاله لو كانت الدنيا في يده وخزانته لم تضره ، إذ هو يرى الأموال في خزائن اللّه لا في يد نفسه ، فلا يفرق بين أن يكون في يد نفسه أو في يد غيره .
الا أنه ينبغي أن لا ينظر إلى الدنيا أصلا لا بنظر المحبة ، وذلك ظاهر إذ لا يجتمع في القلب محبتان ، ولا بنظر البغض لأن ذلك أيضا التفات عن المحبوب إلى غيره ، بل الكمال أن لا يلتفت إلى غيره بغضا وحبا ، فإنه كما لا يجتمع حبان في قلب واحد كذلك لا يجتمع حب وبغض ، إذ المشغول ببغض الدنيا غافل عن اللّه تعالى كالمشغول بحبها ، وانما الفرق أن الغافل بحبها سالك طريق البعد والغافل ببغضها سالك طريق القرب ، إذ يمكن أن يتوسل بذلك إلى أن تتبدل هذه الغفلة بالشهود .
وانما الكمال في أمر المال : أن يستوي عندك الماء والمال ، إذ لا يؤذيك
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 482
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٤٨٢