صفات الرحمة واللطف يعقبه المحبة التي هي منتهى المقامات ، ولا كذلك النظر إلى صفات القهر والغضب .
ولكن لا تتوهم من ذلك أن الأفضل غلبة الرجاء للعبد ، إذ لا يلزم من فضل الرجاء في نفسه فضيلته للعباد المبتلين بالأمراض ، بل اللائق بهم الخوف لئلا يقعوا في الغرور فيهلكوا ، إذ الرجاء للعصاة غرور . وأما الصالحون وإن كان ظاهر حالهم الرجاء ، لكن دقائق الصفات الذميمة الدفينة في القلب وجهالة حال العاقبة يعارض ظاهر أحوالهم ، فيتساوى لهم الخوف والرجاء . فالخوف غالب للعصاة ، والخوف والرجاء متساويان للصالحين ، ولا يمكن غلبة الرجاء بحال أصلا إلا عند الموت ، إذ لا حاجة له إلى سوط يبعثه على العمل لانقطاع احتمال العمل عنه ، وأيضا : لا يطيق أسباب الخوف فإن ذلك يقطع نياط قلبه ويعين على تعجيل موته ، فإذا يضره دواء الخوف ، بل الدواء له الرجاء ، فإنه يقوي قلبه ويحبب إليه ربه ومن أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، لأن غاية السعادة أن يموت العبد وهو محب للّه تعالى .
المطلب الخامس في دواء يستجلب الخوف
واعلم : أن أول مقامات الدين اليقين ، وهذا يهيج خوف النار ورجاء الجنة ، وهما يقويان على الصبر ، فان الجنة حفت بالمكاره فلا يصبر على تحملها الا بقوة الرجاء ، والنار حفت بالشهوات فلا يصبر على قمعها الا بقوة الخوف . ثم يؤدي الصبر المستفاد من الخوف والرجاء إلى مقام المجاهدة والتجرد لذكر اللّه والفكر فيه على الدوام ، ويؤدي دوام الذكر إلى الأنس ، ودوام الفكر إلى كمال المعرفة ، ويؤدي كمال المعرفة والأنس إلى المحبة ، ويتبعها مقام الرضا والتوكل وسائر المقامات .
ثم أن الخوف يحصل بطريقين ؛ أضعفهما : الخوف من النار ورجاء الجنة بالايمان التقليدي ، ولا يدري وجه الخوف والرجاء ؛ وأعلاهما : أن يخاف البعد والحجاب عن اللّه عز وجل ويرجو القرب منه . وهذا الخوف هو خوف العلماء وأرباب القلوب .