ثم إذا كملت المعرفة أورثت حال الخوف واحتراق القلب ، ثم يفيض أثره على البدن والجوارح والصفات .
أما في البدن : فالنحول والصفار والغشية والزعقة والبكاء ، وقد تنفتق به المرارة فيفضي إلى الموت ، أو يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل ، أو يقوى فيورث القنوط واليأس .
وأما في الجوارح : فيكفها عن المعاصي ويقيدها بالطاعات .
وأما في الصفات : فيقمع الشهوات ويكدر اللذات ، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة ، وتتأدب الجوارح ، ويحصل في القلب الذل والخشوع ، ويفارقه الكبر والحسد والحقد ، بل يصير مستوعب الهم بخوفه والنظر في خطر عاقبته ، ولا يكون له شغل الا المراقبة والمحاسبة ، والضنة بالأنفاس والخطوات ، ومؤاخذة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات . وهذا كان حال جماعة من الصحابة والتابعين .
وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال : أن يمنع . من المحظورات ويسمى ورعا ، فان زادت قوته حتى كف عما لا يتيقن حرمته يسمى تقوى ؛ وهو أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وقد يزاد عليه فيترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس فهو الصدق في التقوى ، فإذا انضم اليه التجرد في الخدمة بأن لا يصرف إلى غير اللّه أصلا فهو الصدق وصاحبه جدير بأن يسمى صديقا ، والصديق يتضمن التقوى والورع والعفة .
ثم أن الخوف ليس كلما كان أقوى كان أحمد قدر ما يسوق العبد إلى العلم والعمل . وأما ما خرج إلى حد اليأس فيسمى القنوط لا الخوف ، وقد يخرج إلى المرض والضعف والوله والدهشة وزوال العقل بل الموت ، وكل ذلك مذموم .
وأيضا : الخوف القاصر الذي يعقبه الغفلة قليل الجدوى ضعيف النفع ؛ كمن يسمع آية ويخاف منها ويرق رقة النساء ثم يعود إلى الغفلة ، ومثل ذلك يسمى حديث النفس دون الخوف .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 473
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٤٧٣