فان قلت : من مات من الخوف يكون شهيدا فكيف يذم ، قلت : محمودية الشهادة بالإضافة إلى أن لو مات بلا شهادة ، واما بالإضافة إلى ما لو عمر وصل بواسطة الخوف المحمود درجات الولاية فكلا ، بل له في كل لحظة رتبة شهيد وشهداء .
ثم الخوف اما من المكروه لذاته ؛ كنفس النار ، أو لغيره ؛ كالموت قبل التوبة ، أو خوف نقض التوبة وزوال الرقة من القلب ، أو خوف أن يكله اللّه إلى حسناته ، أو خوف الاستدراج بتواتر النعم ، أو خوف الخاتمة وإن كان حال العارفين خوف السابقة لأن الخاتمة تبع لها . وهذه كلها مخاوف العارفين ولكل واحد منها طريق الحذر .
وأيضا : الخوف إما من المعصية وهذا خوف الصالحين ، أو من اللّه تعالى وهذا خوف الموحدين والصديقين ، لأن هذا الخوف لا يزول عند الطاعة أيضا ، لأن من عرف أن الطاعة والمعصية كلاهما بقضاء اللّه وقدره ، وأنه تعالى خلق هؤلاء للجنة ولا يبالي وخلق هؤلاء للنار ولا يبالي ، وهو الذي خلق الإرادة الجازمة والقدرة التامة للمطيع وللعاصي ، ولم يعرف ما الذي أوجب تخصيص هذا بإرادة الطاعات ، وتخصيص ذاك بتسليط دواعي المعصية عليه ، ولم يعرف كيفية إحالة ذلك على العبد ، فإذا كانت الحوالة ترجع إلى القضاء الأزلي من غير جناية ولا وسيلة ، فالخوف ممن يقضي بما شاء ويحكم ما يريد جزم على كل حال ، هذا المعنى سر القدر الذي لا يجوز افشاؤه .
ثم أن الخوائف من نفس المكروه : من أحوال الموت والقبر ، وأهوال المطلع والحشر ، والوقوف بين يدي اللّه ، والخوف من السؤال والصراط والميزان ، والخوف من الحرمان عن الجنان ، ونحو ذلك . وهذا خوف العابدين والزاهدين .
وأعلى ما ذكر من المخاوف هو خوف الفراق والحجاب عن اللّه تعالى وهو خوف العارفين .
المطلب الرابع
اعلم : أن فضيلة الخوف ثابتة بالنقل والعقل . وأما النقل ، فمن حيث أنه تعالى جمع للخائفين مجامع مقامات أهل الجنان : الهدى والرحمة والعلم