وقد تقدم كيفية الخوف من اللّه تعالى بأن اللّه سبحانه خلق للعذاب أسبابا وللثواب أسبابا ، وخلق لك أهلا يسوقهم القدر والمفرع عن القضاء : الجزم الإلهي ، إلى ما خلقوا له وسخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا . فهذه مخاوف العارفين بسر القدر . وكان خوف نبينا صلى اللّه عليه وسلم أكثر من غيره ، وهو سيد الأولين والآخرين .
وأيضا : حكايات الصحابة في باب الخوف مذكورة في كتب المناقب ، حتى أن بعضا منهم صاح صيحة ومرض مدة ، وبعضا منهم شهق شهقة حتى مات .
ثم أن أكثر خوف العارفين من سوء الخاتمة ، وأن سببه أمور مقدمة :
منها البدع ، ومنها المعاصي ، ومنها النفاق ، ومتى يخلو العبد عن جملة ذلك . وان ظن أنه قد خلا عن ذلك فهو نفاق إذ قيل : من أمن النفاق فهو منافق .
أما سوء الخاتمة فلها رتبتان :
إحداهما ؛ وهي الأصل ، وهو أعظمها : ان يغلب على القلب عند سكرات الموت أما الشك واما الجحود ، فتقبض الروح في تلك الحال ، فيكون حجابا بينه وبين اللّه أبدا ، وذلك يقتضي البعد الدائم والعذاب المخلد .
وثانيتهما : أن يغلب عند الموت حب أمر من أمور الدنيا وشهوة من شهواتها ، ويستغرق قلبه ولا يبقى متسع لغيره ، فيتفق قبض روحه في تلك الحالة ، فيكون قلبه به منكسا رأسه إلى الدنيا وصارفا وجهه إليها ، فيحصل له الحجاب ، فينزل عليه العذاب ، إذ لا يمكن اكتساب صفة أخرى للقلب بعد الموت تضاد الصفة الغالبة عليه ، إذ لا تصرف في القلوب الا بأعمال الجوارح ، وقد بطلت الجوارح بالموت ، فلا مطمع في عمل ولا في رجوع إلى الدنيا ليتدارك ، وعند ذلك تعظم الحسرة .
الا أن أصل الايمان وحب اللّه إذا كان قد رسخ في القلب مدة طويلة ؛ وتأكد ذلك بالأعمال الصالحة ، فإنه يمحو عن القلب هذه الحالة التي عرضت له عند الموت . فإن كان ايمانه قويا يخرجه من النار في زمان أقرب ، وان كان أقل