تعالى خلقا يذنبون فيغفر لهم » ؛ وفي الخبر : « ليغفرن اللّه يوم القيامة مغفرة ما خطر قط على قلب أحد حتى أن إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه » . ونحو ذلك من الأخبار والآثار .
وأما اعتبار العقل : وذلك ان من أعد للانسان كل ما هو ضروري له في دوام وجوده ؛ كآلات الغذاء ، وما هو محتاج اليه ؛ كالأظفار والأصابع ، وما هو زينة له ؛ كاستقواس الحاجبين واختلاف ألوان العينين ، ونحو ذلك مما لا ينثلم بفقده غرض مقصود وانما يفوت به مزيد جمال ، فما ظنك باعداد ما هو أهم الأمور عنده وغاية الغايات وأصل كل السعادات ، أعني : سعادة الآخرة .
فالعناية الإلهية إذا لم ترض لعباده بفوات أمثال هذه فكيف ترضى بسياقتهم إلى الهلاك المؤبد .
وإذا كان حال أكثر الخلق في الدنيا الغالب عليها الخير والسلامة فسنة اللّه لا تجد لها تبديلا ، فالغالب أن أمر الآخرة هكذا يكون ، لأن مدبر الدنيا والآخرة واحد وهو غفور رحيم لطيف بعباده متعطف عليهم .
وأيضا : من نظر في حكمة الشريعة ووجه الرحمة بها على العباد ، حتى أنزل آية طويلة لبيان المداينة ليهتدي بها إلى حفظ دينه ، فمن هداهم طريق حفظ دينهم فكيف لا يحفظ لهم طرق دينهم الذي لا عوض لهم منه .
المطلب الثالث في الخوف
وقد عرفت حقيقته : وهي تألم القلب بسبب توقع مكروه في الاستقبال .
فالخوف من اللّه تارة يكون بمعرفة اللّه ومعرفة صفاته ، وانه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع ؛ وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد ؛ وتارة يكون بهما جميعا .
فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه ، وكذلك قال صلى اللّه عليه وسلم :
« أنا أخوفكم للّه » ؛ وقال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، آية : 28 .