فإذا للّه عليه نعمة ليست على أحد من عباده سواه ، فينبغي أن يشكرها .
وأيضا : من النعم ما فيه عموم ولكن لو تبدلت بأضدادها لم يرض بها ؛ مثل : أن جعله مؤمنا لا كافرا ، وحيا لا جمادا ، وانسانا لا بهيمة ، وذكرا لا أنثى ، وصحيحا لا مريضا ، وسليما لا معيبا .
وأيضا : عدد المغبوطين عنده أقل من غيره بكثير ، فكيف لا ينظر من هو دونه حتى لا يزدري نعم اللّه ، كما أنه ينظر إلى من دونه في الدين ويتعذر بكثرة الفساق مع أن دنياه لا تساوي دينه .
فعليك أن تتأمل كلام أفصح من نطق بالضاد حيث قال صلى اللّه عليه وسلم : « من أصبح معافى في بدنه آمنا في سر به وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها » ؛ سيما زمرة العلماء ، فان نعمة العلم أعظم النعم ، حتى أن بعضا منهم لو بدل نصف علمه بل عشر أعشار علمه بملك الأرض من الشرق إلى الغرب لأنف من ذلك وأنكر على قائلها .
ولا تظنن أن المعرض عن الدنيا في ألم الصبر عنها فان ذلك ليس بأكثر من ألم الصبر عليها ، فان آلام الأغنياء أضعاف ألم الفقراء ولكن لا يشعرون بسبب خدر حاصل في طبيعتهم ، فإذا زال ذلك بالموت يشعرون ذلك لكن حين لا ينفعهم العلم .
ثم أن علاج القلوب الفاقدة للشكر ؛ فإن كان بصيرا فعلاجه التأمل فيما ذكرناه من أصناف النعم ، وان كان غير ذلك فبالنظر إلى من دونه . وكان بعضهم يحضر كل يوم دار المرضى ليعرف نعمة الصحة ، ويحضر المقابر ليعرف قدر الحياة ، ويحضر موضع العقوبات ليعرف قدر العصمة من الجنايات .
ومما ينبغي أن يعالج به القلوب غير الشاكرة أن تعرف أن النعمة إذا لم تشكر زالت ولم تعد . قال عز وجل :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 1 » . وفي الخبر : « ما عظمت نعمة اللّه على عبد الا كثرت حوائج الناس اليه ، فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال » . قال الفضيل : عليكم
هامش
( 1 ) سورة الرعد ، آية : 11 .