تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤

المطلب التاسع في السبب الصارف عن الشكر وعلاجه

واعلم : أن سببه الجهل والغفلة عن معرفة النعم ، وأن عرفها فيظن أن شكرها أن تقول بلسانك : الحمد للّه الشكر للّه . وأيضا : سببه - بعد معرفتها - غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان .

أما الغفلة عن النعم فلها أسباب :

أحدها : عموم النعمة للخلق كافة كأنهم لا يعدونها نعمة ، ألا تراهم لا يشكرون الهواء مثلا وهو من أعظم النعم إذ لا يمكن التعيش بدونها ولو ساعة ، وهذا جهل عظيم ، حيث لا يعدون النعمة الدائمة نعمة ويعدون ما ينقطع ساعة ثم يعود نعمة ، مع أن الدائم أحق بالشكر من المنقطع أحيانا . وطريق معرفة النعمة فرض انقطاعها ، فحينئذ يظهر لأهل الغفلة حالها . روى أن ابن السماك قال لبعض الخلفاء - وفي يده ماء يشر به وقال عظني - لو لم تعط هذه الشربة الا بنصف ملكك فهل تبذله ، قال : نعم ، قال : وان لم تخرج من بدنك بعد شربها هل تترك نصفه الآخر ، قال : نعم ، قال : فلا تفرح بملك لا يساوي شربة ماء ولا دفعها عن بدنك . وبهذا تبين أن شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كله . على أن كل أحد يظن أنه يخص من بين الناس بعقل لا يشاركه فيه الناس ، ويظن أنه على خلق كريم لا يشوبه العيب بخلاف سائر الناس ، وأيضا يعتقد فيه علما امتاز به عن الناس . ثم إن كان هذا الظن واقعا في نفسه يلزمه الشكر لا محالة ، وان لم يكن واقعا الا ان اللّه تعالى ستر قبيحة عن الناس وأظهر لهم الجميل من العقل والخلق والعلم فكذلك يلزمه الشكر . ثم نقول : ان كل أحد رزقه اللّه تعالى أمورا لو أعطى ما خصص به غيره لكان لا يرضى به : من صورته أو شخصه أو أخلاقه أو صفاته ، أو أهله أو ولده ، أو مسكنه ، أو بلده ، أو رفيقه أو أقاربه ، عزه أو جاهه أو سائر محابه ،