تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
الآلات إلى الصناع المحتاجين إلى آلات أخر لا تتناهى ، لا يمكن ذكر شمة منها الا في كثير من المجلدات . وكذا مضغ الأطعمة ، وكيفية تولد الريق المعين لازلاق اللقمة المتولد من تحت اللسان ، وكيفية جذب المعدة ذلك ، ثم طبخها في المعدة ثم في الكبد ، ثم وصولها إلى البدن وانقسام فضلاتها إلى طريق آخر ، لا يمكن تفصيلها في مجلدات . ولو ارتقيت إلى معرفة الحواس المعينة ، إلى معرفة مضار الأطعمة ومنافعها وكيفية تحصيلها . ومن جملتها البصر ، وان جرمها الذي هو مقدار جوزة عشر طبقات مركبة ، بعضها رطوبات وبعضها أغشية ، وبعض تلك الأغشية كالمشيمة ، وبعضها كأنها نسج العنكبوت ، وبعض تلك الرطوبات كأنها بياض البيض ، وبعضها كأنه الجمد . وكذا أحوال سائر الحواس ، بحيث لا يمكن للعقل إحاطة جملها ، ولا للسان بيان قدر ما أحاط منها كما هو حقها ، ولا للبنان كتابة ما جرى منها على اللسان . وهكذا يتوقف على أسباب وأسباب ، إلى حيث يعجز العقل عن ضبط أنواع أسباب فعل واحد ؛ عن الأكل ، فضلا عن ضبط أفرادها وأسباب سائر الأفعال ، وعند ذلك تفهم معنى قوله عز وجل :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
« 1 » . ألا انك أيها المسكين لا تعرف من النعم الا نفس الأكل وهو أخسها ، ثم لا تعرف منها الا أنك تجوع فتأكل ، وتتعب وتنام ، ثم تشتهي وتجامع وتستريح . وهذا أيضا حال الحمار وأنت في رتبتها . فلا تغفل أيها المسكين عن النظر في ملكوت اللّه سبحانه وعجائب صنعه وحكمة تصنيفه ، لأن العالم كله من تصنيفه ، بل تصنيف المصنفين من تصنيفه الذي صنفه بواسطة قلوب عباده ، الا أنك تغفل غفلة البهائم مع أنك من زمرة الملائكة ، لكن ألقى إلى هذه الرتبة جهلك وحمقك وعجزك . فسبحان من ألحق ذوي الأبصار بالعميان جل جلال وعم نواله . ولنترك استقصاء هذا الباب فإنه طمع في غير طمع .
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، آية : 34 .