بمداومة الشكر على النعم فقل نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم . وقال بعض السلف : النعم وحشية فقيدوها بالشكر .
المطلب العاشر فيما يشترك فيه الصبر والشكر
اعلم : أن للّه تعالى في كل شيء نعمة يجب عليها الشكر ، وكذا في كل شيء بلاء إذ البلاء فقد النعمة .
ثم أن النعمة : إما مطلقة ، وهي في الآخرة سعادة العبد بالنزول في جوار اللّه ، وفي الدنيا الايمان وحسن الخلق وما يعين عليهما ؛ وإما مقيدة وهي نعمة من وجه دون وجه ؛ كالفقر والخوف والمرض ، فإنها نعمة دينا وبلاء في الدنيا .
وكذا البلاء : إما مطلق ؛ كالكفر والمعاصي ، واما مقيد ، كالفقر والمرض كما ذكر . فالشكر للنعم واجب .
وأما الصبر فعلى البلاء المقيد ، وأما البلاء المطلق فلا يجوز الصبر عليه بل يجب ازالته مهما أمكن ، وانما الصبر على ألم ليس للعبد ازالته ؛ مثلا : لو تألم بطول العطش حتى عظم ألمه لا يصبر عليه بل يزيله ان قدر .
ثم إن النعمة يجوز أن تصير بلاء وبالعكس ، ولهذا يمكن أن يجتمع الصبر والشكر في مادة واحدة ؛ مثلا : الفقر نعمة في حق من إذا استغنى وكثر ماله بطر وطغى ، مع أنه بلاء أيضا في نفسه ، فيشكر من حيث كونه نعمة ويصبر من حيث كونه بلاء .
ثم إن المعرفة التي هي نعمة مطلقة يمكن أن تكون بلاء في حق بعض الناس ، فتكون النعمة في ضدها ؛ مثلا : معرفة الانسان أجله بلاء ينغص عيشه ويطيل غمه ، فيكون جهله به نعمة ؛ وكذلك معرفة أحوال قلوب الناس بلاء ، إذ لو رفع الستر لطال أمله وحقده وحسده واشتغاله بالانتقام بسبب اطلاعه على ما يضمره الخلق ، فيكون الجهل بها نعمة ؛ وكذلك جهله بالخصال المحمودة في غير نعمة ، إذ ربما يضطر إلى ايذائه واهانته ، وفعل ذلك بعد المعرفة اثم عظيم ؛