واعلم : أن المفهوم من الأحاديث والأخبار والآثار فضيلة الصبر على الشكر ، لأن الصبر حال الفقر والشكر حال الغنى ، وفي ذلك مقنع للناس كافة . الا أن أهل التحقيق منهم ربما يكشفون حقيقة الحال بتفصيل ذلك .
وهو : أن العلوم الظاهرة تراد للأحوال ، والأحوال للأعمال . وأما العلوم الباطنة فإنما تراد الأحوال لأجلها ، والأعمال لأجل الأحوال . فأفضل الكل معرفة اللّه تعالى وانما يتوسل إليها بأحوال القلب في تصفيته عن المكدرات .
ثم الأعمال اما أن تجلب ظلمة القلب وهي المعاصي ، أو صفاءها وهي الطاعات . ثم أن المعاصي والطاعات متفاوتة ومختلفة بحسب اختلاف الأحوال ؛ مثلا : من غلبه الشح فليس له صوم النافلة بل اخراج درهم واحد له أفضل من صوم النافلة ، وكذا من غلبته شهوة البطن فله الصوم دون اخراج المال . وأما ما ورد في الشرع من فضل الصدقة على الإطلاق وفضل الصوم على الاطلاق ، فذلك لأنه لو قيل : الصدقة لمن ابتلي بمرض الشح ، والصوم لمن ابتلي بمرض الشهوة البطنية أو الفرجية لربما قالت النفس : ليس في هذا المرض ؛ لأن شأن النفس انكار أمراضها فيترك معالجتها فتهلك . أنظر إلى رحمة الشارع على العباد ، وحذاقتها في معالجة أمراض قلوبهم .
ثم أن الصبر والشكر قد يجتمعان في محل واحد كما بيناه ، فهناك لا يتصور فضيلة أحدهما على الآخر . وأما إذا تغاير محلهما : فان كانت النعمة ضرورية ؛ كالعينين مثلا ، فمن فقدهما فصبره بأن لا يظهر الشكوى ويضمر الرضا بقضاء اللّه تعالى . والبصير إما أن يستعملهما في طاعة اللّه تعالى فقد شكر وصبر أيضا على الطاعة ، وكذا ان كفهما عن الحرام فقد شكر وصبر أيضا عن الحرام . ولا يخفي أن الأعمى فيه فضيلة الصبر فقط ، وفي البصير المتقي عن الحرام أو المستعمل في الطاعة فضيلة الصبر والشكر معا . فالبصير المذكور أفضل من الأعمى المذكور ، والأعمى المذكور أفضل من البصير الغير الغاض بصره عن الحرام .
وان كانت النعمة غير ضرورية ولم تكن فاضلة على الحاجة ، ففي الصبر عن
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 468
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٤٦٨