وأما التأييد : فكأنه جامع للكل . وهو عبارة عن تقوية أمره بالتبصرة من داخل ، وبقوة البطش ومساعدة الأسباب من خارج ، وهو المراد بقوله عز وجل :
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
« 1 » .
ويقرب منه العصمة : وهي عبارة عن وجود الهي يسنح في الباطن يقوى به الانسان على تحري الخير ويجتنب الشر ، حتى يصير كمانع من باطنه غير محسوس . وهي المراد بالبرهان في قوله عز وجل :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
« 2 » .
فهذه هي مجامع النعم ، ولن يستبد بها الا من خوله اللّه من الفهم الصافي الثاقب ، والسمع الواعي ، والقلب البصير المتواضع المراعى والمعلم الناصح ، والمال الزائد على ما يقصر عن المهمات بقلته القاصر عما يشغل عن الدين بكثرته ، والعز الذي يصونه عن سفلة السفهاء وظلم الأعداء . وتستدعي كل واحدة من هذه الأسباب إلى ستة عشر سببا ، وتستدعي تلك الأسباب أسبابا ، إلى أن ينتهي بالآخرة إلى دليل المتحيرين وملجأ المضطرين ، وذلك رب الأرباب ومسبب الأسباب .
ولو أردت أن نستقصي أسباب نعمة واحدة من النعم : كنعمة الأكل مثلا ، وكسرت عليها المجلدات ، لبقي ذهنك في حيز الحيرة حسيرا ، لأنها تتوقف على معرفة قوة الشهوة والغضب المتوقفتين على الآلات البدنية ، لا يفي بذكر شمة منها ومقدار ما يمكن أن يحيط العقول بها كثير من المجلدات .
وكذا كيفية تولد البدن عن المني في رحم الأم ، وأطوار خلقه الجنين هناك لا تفي لذكرها المجلدات . وكذا كيفية تكون الأغذية النباتية والحيوانية ، وترتيبها بالآباء العلوية والأمهات السفلية لا تتم في عدة مجلدات . وكذا كيفية طبعها واصلاحها واحتياجها إلى آلات من الحديد والحطب والنار ، واحتياج هذه
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 87 .
( 2 ) سورة يوسف ، آية : 24 .