حدودهما وعدد الكبائر اختلافا شديدا . والحق ان ذلك مما لا يعلم الا من جهة الشرع ولم يرد فيه حد الكبيرة وعددها فلا مطمع في معرفتها . وربما قصد الشرع ابهامه ليكون العباد منه على وجل ، كما أبهم ليلة القدر ليعظم جد الناس في طلبها ، سيما إذا لم يتعلق به حكم الدنيا بل يعلم حكمها في الأخرى ، فيجوز أن يتطرق اليه الابهام - الا حدودا عينها بأساميها : من الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك من الحدود .
المطلب الخامس في كيفية توزع الدركات والدرجات في الآخرة إلى السيئات والحسنات في الدنيا
واعلم : أن الدنيا من عالم الملك والشهادة ، والآخرة من عالم الملكوت والغيب . وعالم الملك نوم بالإضافة إلى عالم الملكوت ، ولذلك لم يتكلم الأنبياء مع الخلق الا بضرب الأمثال إذ النائم لا ينكشف له أمر الا بمثل . ومن التكلم بطريق المثل : أصابع الرحمن وصورته وأمثال ذلك ، فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة حكمة من اللّه ولطفا لعباده وتيسيرا لإدراكه .
وإذا عرفت هذا . فاعلم : أن تعريف توزيع الدرجات والدركات على الحسنات والسيئات لا يمكن الا بضرب مثال ، وذلك ان الملك إذا استولى على إقليم يقتل من يجحد في أصل ملكه ويخلى من لا يجحده ، ولا يخدم ويخلع من ينصره ويخدمه . والنعم أيضا متفاوتة بتفاوت درجات خدمتهم . فكذلك الناس في الآخرة : إما هالكون أو معذبون ، إما سنة أو ألف سنة إلى سبعة آلاف سنة ، وذلك آخر من يخرج من النار ، أو ناجون منها أو فائزون ، أما إلى جنات عدن أو جنات المأوى أو جنات الفردوس ، وهذه أربع رتب :
أولها : الهالكون ، وهم الآئسون من رحمة اللّه ؛ كالجاحدين والمكذبين باللّه ورسوله وكتبه والمتجردين للدنيا . وأعظم العذاب عند أهل البصائر نار الحجاب من اللّه تعالى ، وهي أحر من نار الجحيم . ولا بعد في ذلك ، إذ الصبي ربما يعد العبد عن السلطان أهون من العبد عن الكرة والصولجان .