المطلب الثاني في وجوب التوبة على الفور
واعلم : أن الإيمان إما بعلوم المكاشفة ؛ كمعرفة اللّه تعالى وصفاته وكتبه ورسله ، أو بعلوم المعاملة ؛ كمعرفة الطاعات والمعاصي ، فمن فقد هذا الايمان ربما ينفي عنه اسم الايمان ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزني الزاني حين يزني مؤمن » ؛ أي : ينفي عنه الايمان بكون الزنا مبعدا عن اللّه تعالى ، والا لما فعله العاقل ، لا أن الايمان بعلوم المكاشفة منفي عنه . فالعاصي بالضرورة ناقص الايمان ، بمعنى عدم التصديق بعلوم المعاملة ، والا لما فعل ذلك الفعل ، ومع ذلك فهو قريب من أن تنقلع شجرة ايمانه عند مقدمة قدوم ملك الموت ، وخيف عليه سوء الخاتمة .
وإذا كانت المعاصي بمنزلة السموم المهلكة وكان العاقل يتجنبها في الحال ، كذلك يجب على العاقل أن يتجنب عن المعاصي على الفور ، بل ذلك أولى لأنها هلاك الأبد . ولا يخفى ان وجود الأصل وان لم يتوقف على وجود الفرع لكن ربما يتوقف بقاؤه عليه ، فلا ينبغي الإهمال شأن الأعمال أيضا .
ثم أن عموم الناس محتاجون إلى التوبة ، إذ الشهوات جنود الشيطان ، والعقول جنود الملائكة ، وبينهما قتال دائما ، الا أن قوة جنود العقل بعد الأربعين ، وإلى زمان قوته تقوى جنود الشياطين .
وإذا قوي جنود العقل يكون أول عملهم قمع الجنود الشيطانية ، وليس ذلك الا بالتوبة الواجبة لكل آدمي نبيا كان أو غيبا ، بل هو حكم أزلي مكتوب على جنس الأنس لا يمكن فرض خلافه ما لم تتبدل السنة الإلهية التي لا مطمع في تبديلها . ولما لم يخل كل انسان عن الخطأ والنسيان في كل وقت وآن وجبت عليه المواظبة على التوبة في كل زمان ، إذ لا يتم حاله بعدم الذنب في الاستقبال بل عليه أن يزيل آثار المعاصي في الزمان الماضي ، فليس ذلك الا بالمواظبة على التوبة .